السؤال
أقوم بتسويق منتجات لبعض الشركات من خلال عمل (فيديوهات) بطريقه سرد القصة، مع العلم أن بعض مشاهد القصة ما هي إلا تمثيل، ومشاهد مستوحاة؛ لمجرد اكتمال القصة وتوضيح مواصفات المنتج، فأتكلم عن المنتج أو السلعة بتعداد مميزاتها واستخداماتها دون الكذب على الناس أو التغرير بهم.
مثال: “عندي مشكله في ظهري ومش لاقي حل لقيت شركه بيع حزام للظهر فيه مواصفات كذا وكذا تقدر أنت كمان تطلبه لو عندك مشاكل في الظهر …إلى آخره”.
مع العلم أنه لم يكن لدي أي مشاكل في ضهري ولكن مثلت صوره العميل الذي لديه مشاكل في الضهر، هل هذا يجوز أم لا؟.
الجواب
اختلف العلماء في تأليف القصص غير الحقيقية، والمختار للفتوى جواز ذلك إذا كان لغرض مباح، وعلى هذا فتقديم محتوى تسويقي لمنتج من خلال قصة غير حقيقة لا مانع منه شريطة أن يكون المشاهد عالما بذلك، وأن تكون المعلومات الواردة عن المنتج حقيقية ولا تشتمل على غش أو تدليس.
التأصيل الشرعي
الترويج للسلع والمنتجات الأصل فيه الإباحة، إذا كان خاليا من الكذب والغش والتدليس، سواء قام صاحب السلعة به بنفسه أو وكل من يقوم بالترويج لسلعته، وسواء كان ذلك بأجر أو بدونه.
والذي حذر الشرع منه هو الترويج للسلعة بما ليس فيها أو بالحلف الكاذب أو بالاستعانة بمن يغر المشتري بالشراء، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “الحلف منفقة للسلعة ممحقة للربح”[1].
والمقصود بالحلف هنا هو الحلف الكاذب، و”منفقة” بفتح الميم وسكون النون وفتح الفاء والقاف، على وزن مفعلة، بلفظ اسم المكان، من نفق المبيع إذا راج، ضد كسد. و”ممحقة” على الوزن نفسه، من المحق، وهو النقص، ونقص الربح مراد به نقص البركة، والمعنى أن الحلف الكاذب في البيع وإن روج السلعة، وزاد في المال صورة، فإنه يمحق البركة، ومحق البركة يفضي إلى اضمحلال العدد في الدنيا غالبًا[2].
وقد أمرنا الإسلام بالتزام الصدق في المعاملات المالية، والبعد عن الخديعة؛ فحرم النجش في البيع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تناجشوا”[3].
والمقصود بالنجش: الزيادة في ثمن السلعة ممن لا يريد شراءها ليغري غيره.
وقد اتفق الفقهاء على حرمته؛ لما فيه من الإضرار بالغير، فكل ما يؤدي إلى خداع المشتري أو تغريره يحرم شرعا.
وأما بخصوص تأليف قصة غير حقيقية؛ لشرح مميزات السلعة وبيان طرق استخدامها، فقد اختلف العلماء في كتابة القصص غير الحقيقية على أقوال عدة، والمختار للفتوى جواز ذلك إذا كان لغرض مباح، وكان القارئ أو المشاهد على علم بأنها مجرد مشاهد تمثيلية.
فلا بأس بسرد قصة تمثيلية لتوضيح مواصفات السلعة من خلالها، لا سيما إذا قام صانع المحتوى بالإشارة إلى ذلك في وصف الفيديو.
وقد لجأ بعض الأدباء قديما في تأليف بعض القصص الأدبية غير حقيقية لأغراض بلاغية، وكذلك سوق بعض الحكم على ألسنة الحيوانات والطيور، كل ذلك بغرض التفهيم وإيصال المقصود بطريقة أشبه بالواقع، كالذي نطالعه في كتب المقامات، وكتاب كليلة ودمنة ونحوها.
وقد نقل عدد من العلماء ماورد في هذه الكتب لما تشتمل عليه من عبارة رائقة، وحكمة فائقة، ولم يجدوا في ذلك حرجا.
يقول الإمام ابن حجر الهيتمي الشافعي تعليقا على استدلال بعض أئمة الشافعية بحديث «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» وفي رواية «فإنه كانت فيهم أعاجيب» في حل سماع تلك الأعاجيب للفرجة لا للحجة: “ومنه يؤخذ حل سماع الأعاجيب والغرائب من كل ما لا يتيقن كذبه بقصد الفرجة بل وما يتيقن كذبه لكن قصد به ضرب الأمثال والمواعظ وتعليم نحو الشجاعة على ألسنة آدميين أو حيوانات”[4].
ولا بأس بتمثيل هذا القصص المستخدم في تسويق السلع والمنتجات ما دام أنه لا يشتمل على أمر محرم ككشف العورات أو التلفظ بما لا يجوز شرعا.
والله تعالى أعلم
[1] أخرجه البخاري في صحيحه، رقم: (2087)، ومسلم في صحيحه رقم: (1606).
[2] يراجع فتح المنعم شرح صحيح مسلم، موسى شاهين لاشين، (6/ 359).
[3] رواه البخاري في صحيحه، رقم (6066)، ومسلم في صحيحه، رقم (1413).
[4] تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (9/ 398).


