الأربعاء, أكتوبر 7, 2026
No menu items!
Google search engine
الرئيسيةالمهن والحرفحكم الأجرة التي يتحصل عليها الحلاق نظير قيامه بصبغ الشعر بالسواد

حكم الأجرة التي يتحصل عليها الحلاق نظير قيامه بصبغ الشعر بالسواد

رقم الفتوي:
524

السؤال

الجواب

التأصيل الشرعي

السؤال

أعمل في صالون حلاقة (كوافير للرجال)، حيث أقوم بتصفيف الشعر للزبائن والعناية به وتهذيبه، ويطلب مني بعض الزبائن صبغ شعره بالسواد لإخفاء البياض الذي ظهر في أجزاء من شعره، فما حكم قيامي بصبغ الشعر، وماحكم الأجرة المتحصلة من ذلك؟

الجواب

ذهب جمهور أهل العلم إلى استحباب صبغ الشعر وتغيير الشيب بالحناء أو الكَتَم أو الزعفران أو غير ذلك، وأجازوا التغيير بأي لون غير السواد، أما السواد فقد اختلفوا فيه: فمنهم مَنْ حرَّم ذلك، ومنهم من قال بالكراهة، ومنهم من فَصَّل فأباح الصبغ بالسواد إذا كان للزينة ولم يكن ثمة تدليس أو غش.

فمسألة صبغ الشعر بالسواد مسألة خلافية، ويجوز لك أن تقلد مَنْ رخص فيها بالجواز، إذا اقتضت ظروف عملك القيام بصبغ الشعر بالسواد، والأجرة المتحصلة من ذلك حلال ولا حرج عليك.

التأصيل الشرعي

دعا الإسلام إلى الجمال والطهارة والزينة، فكما اهتم الإسلام بباطن الإنسان وتخليته من الآفات والشوائب اهتم كذلك بظاهره وهيئته، فأمره بالتزين والتنظف، قال تعالى: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}[1].

وقال تعالي: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}[2].

وعن عبد الله ابن مسعود قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “لا يدخل النارَ مَنْ كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، ولا يدخل الجنةَ من كان في قلبه مثقال حبة من كِبْر”، فقال رجل: يا رسول الله، إني لُيعْجبني أن يكون ثوبي غَسيلاً، ورأسي دَهيناً، وشِرَاك نعلي جديداً، وذكر أشياء، حتى ذكر علاقة سوطه، أفمن الكبر ذَاكَ يا رسول الله؟، قال: “لا، ذاك الجَمال، إن الله جميل يحبّ الجَمال، ولكن الكبر منْ سَفهَ الحق وازْدَرَى الناس”[3].

وقد حث الإسلامُ المسلمَ على إكرام شعره وتسريحه؛ ليكون على هيئة جميلة تنشرح لها النفوس والأبصار؛ لأن النفوس السوية مجبولة على حب الجمال والهيئة الحسنة، بخلاف الهيئة القبيحة فإنها تفر منها وتبعد عنها.

وورد في السنة أن رجلا دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وهو ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنه أمره إصلاح شعر رأسه ولحيته، ففعل ثم رجع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “هذا خيرا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان” [4].

ودعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أكرام الشعر والاهتمام به وتمشيطه وادهانه ليكون على هيئة طيبة، فقال: «من كان له شعر فليكرمه»[5].

وما يقوم به الحلاق في مجمل أعماله ماهي إلا أعمال مردها إلى الاهتمام بالشعر والبشرة من حيث التجميل والتزيين، وهو أمر دعا إليه الشرع وحض عليه أتباعه طالما أنه منضبط بضوابط الشرع أمرًا ونهيًا.

وأما عن قيامه بصبغ الشعر بالسواد، فيرى جماهير أهل العلم استحبابَ صبغ الشعر وتغيير الشيب بالحناء أو الكَتَم[6] أو الزعفران أو غير ذلك، واتفقوا على جواز التغيير بأي لون غير السواد.

أما صبغ الشعر بالسواد فقد اختلفوا فيه: فمنهم مَنْ حرَّم ذلك، ومنهم من قال بالكراهة، ومنهم من فَصَّل فأباح الصبغ بالسواد في بعض الأحوال كما لو كان للزينة ولم يكن ثمة تدليس أو غش، أو في الجهاد.

جاء في حاشية ابن عابدين: “قال في الذخيرة: أما الخضاب بالسواد للغزو، ليكون أهيب في عين العدو فهو محمود بالاتفاق وإن ليزين نفسه للنساء فمكروه، وعليه عامة المشايخ، وبعضهم جوزه بلا كراهة روي عن أبي يوسف أنه قال: كما يعجبني أن تتزين لي يعجبها أن أتزين لها”[7].

وسئل مالك عن الخضاب بالسواد، فقال: ما علمت فيه النهي، وغيره أحسن منه[8].

وفي كتب المالكية: “أما الخضاب فهو صبغ شعر الرأس واللحية بما عدا السواد من الحناء والكتم وشبه ذلك، فقيل: إن ذلك جائز، وقيل: إنه مستحب. وأما بالسواد فمن أهل العلم من أجازه، ومنهم من كرهه؛ لما فيه من التدليس والإيهام أنه باق على حاله من الشباب، فقد تغتر المرأة التي تتزوجه بذلك. ولو فعل ذلك الشيخ في الحرب ليوهم العدو أنه شاب جلد لأوجر في ذلك إذا صحت نيته فيه”[9].

وقال النووي: “اتفقوا على ذم خضاب الرأس أو اللحية بالسواد، ثم قال الغزالي في الإحياء والبغوي في التهذيب وآخرون من الأصحاب هو مكروه، وظاهر عباراتهم أنه كراهة تنزيه: والصحيح بل الصواب أنه حرام…، ولا فرق في المنع من الخضاب بالسواد بين الرجل والمرأة: هذا مذهبنا: وحكي عن اسحق بن راهويه أنه رخص فيه للمرأة تتزين به لزوجها والله أعلم”[10].

وقال ابن حجر: “من العلماء من رخص فيه في الجهاد ومنهم من رخص فيه مطلقا وأن الأولى كراهته وجنح النووي إلى أنه كراهة تحريم وقد رخص فيه طائفة من السلف منهم سعد بن أبي وقاص وعقبة بن عامر والحسن والحسين وجرير وغير واحد واختاره بن أبي عاصم في كتاب الخضاب له”[11].

ومن خلال ما سبق يتضح أن مسألة صبغ الشعر بالسواد من المسائل الخلافية، والأمر فيها واسع، وإذا كان طبيعة عمل السائل تقتضي صبغ الشعر بالسواد، وامتناعه قد يسبب له ضررًا أو للمكان الذي يعمل به، فيجوز تقليد من رخص في جواز الصبغ بالسواد من أهل العلم، ولا حرج فيما يتكسبه من المال نظير قيامه بذلك.

والله تعالى أعلم

[1]  [الأعراف: 31]

[2] [الأعراف: 32]

[3] مسند الإمام أحمد، (4/136).

[4]  الموطأ للإمام مالك، (2/176).

[5] سنن أبي داود، (4/76).

[6]  الكتم: نبات باليمن يخرج الصبغ أسود يميل إلى الحمرة، يُنظر: فتح الباري (10/355).

[7]  حاشية ابن عابدين (6/422).

[8]  البيان والتحصيل (18/198).

[9]  المقدمات الممهدات لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (3/459)

[10]  المجموع (1/294).

[11]  فتح الباري (10/354).

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

اخر المقالات