السؤال
ما الحكم الشرعي في أخذ أجرة مقابل أن أحج عن جاري المريض مرضًا يمنعه من الحج بنفسه؟
الجواب
يجوز للسائل أن يحج عن جاره العاجز أو المريض شريطة أن يكون قد حج عن نفسه أولًا، ولا مانع شرعًا من أخذ أجرة على ذلك.
التأصيل الشرعي
التوكيل في العبادات -وهو أن يوكل المرء شخصًا آخر في أداء العبادة عنه- ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
-القسم الأول: ما اتفق الفقهاء على عدم جواز الوكالة فيه، وهي العبادات البدنية المحضة والتي لا ارتباط لها بالأموال كالطهارة والصلاة وغير ذلك.
-القسم الثاني: ما اتفق الفقهاء على جواز الوكالة فيه، وهذا يشمل العبادات المالية كالصدقات والزكوات والنذور والأضحية وغير ذلك.
القسم الثالث: وهو ما اختلف العلماء في حكم الوكالة فيه، وهما: الحج والعمرة[1].
وبالنسبة للوكالة في الحج فالرأي المختار للفتوى جواز التوكيل في الحج -على ما ذهب إليه الشافعي وأحمد وغيرهما- بشروط؛ وذلك لما رواه ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: “لبيك عن شبرمة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من شبرمة؟ قال: قريب لي. قال: هل حججت قط؟ قال: لا. قال: فاجعل هذه عن نفسك، ثم احجج عن شبرمة”[2].
وعلى هذا فيشترط للحج عن الغير أمران:
الأول: أن يكون الموكل لديه مرض يجعله عاجزًا عن الذهاب بنفسه، وهو ما يعبر عنه الفقهاء بكونه لا يثبت على الراحلة أو يطلقون علي هذا العاجز “المعضوب”.
الثاني: أن يكون هذا الشخص الموكَّل بالحج عن الغير “العاجز” قد حج عن نفسه أولًا[3].
وإذا جازت الوكالة عن الغير في الحج، جاز أن يتبرع الوكيل بحجه عن المعضوب، وجاز أن يأخذ أجرا على ذلك، وقد جعل الفقهاء امتلاك المعضوب هذه الأجرة شرطا لوجوب توكيله من يحج عنه إذا لم يجد متبرعا، قال الإمام النووي: “والمعضوب العاجز عن الحج بنفسه وإن وجد أجرة من يحج عنه بأجرة المثل لزمه”[4].
وقال الخطيب الشربيني شارحا كلام النووي: “(والمعضوب) بضاد معجمة من العضب، وهو القطع كأنه قطع عن كمال الحركة، وبصاد مهملة كأنه قطع عصبه، ووصفه المصنف بقوله (العاجز عن الحج بنفسه) حالا أو مآلا؛ لكبر أو زمانة أو غير ذلك، وهذه الصفة صفة كاشفة في معنى التفسير للمعضوب وليست خبرا له بل الخبر جملتا الشرط والجزاء في قوله (وإن وجد أجرة من يحج عنه بأجرة المثل) أي مثل مباشرته. أي فما دونها (لزمه) الحج بها لأنه مستطيع بغيره؛ لأن الاستطاعة كما تكون بالنفس تكون ببذل المال وطاعة الرجال”[5].
والخلاصة: أنه يجوز للسائل أن يحج عن جاره المريض مرضا يمنعه من الحج بنفسه شريطة أن يكون قد حج عن نفسه أولًا، ولا مانع شرعا أن يأخذ على ذلك أجرا.
والله تعالى أعلم
[1] يُنظر: بداية المجتهد، لابن رشد (4/ 85)، والمغني، لابن قدامة (5/ 66).
[2] أخرجه أبو داود في “سننه” (1811)، وابن ماجه في “سننه” (2903).
[3] يُنظر: البيان، للعمراني، (4/ 52)، والمغني، لابن قدامة (3/ 236).
[4] منهاج الطالبين، للنووي (ص: 159).
[5] مغني المحتاج، للخطيب الشربيني (2/ 219).


