الأربعاء, أكتوبر 7, 2026
No menu items!
Google search engine
الرئيسيةحلم الثراء السريع

حلم الثراء السريع

حب المال فطرة جُبِل عليها الإنسانُ، وقد أكد القرآن الكريم هذا المعنى في مواضع كثيرة، فقال تعالى: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا}[1]، وقال تعالى: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ}[2].

والناس من قديم الزمان يتسابقون في سبيل تحصيل المال، من سبله المختلفة، والغالبية منهم يطلبونه من خلال السعي في الأرض والعمل الجاد الذي يعود بالنفع عليهم وعلى مجتمعاتهم.

وفي وقتنا الحاضر يحلم كثير من الشباب بالثراء السريع من خلال عمل استثنائي يبذل فيه قليلًا من الجهد ويحصل من خلاله على كثير من المال، فينتظر طفرة تحدث فجأة تنقله من عداد الفقراء إلى مصاف الأغنياء، ويداعب خياله بعدد من قصص نجاح بعض أصحاب الأعمال والشركات، ولا يلمح بنظره السعي الدؤوب، والجهد المبذول في الجهة المقابلة، فيعيش منتظرا لهذه اللحظة، ساخطا على حاله غير راض عن عمله الذي بين يديه.

أما أن يقوم الواحد منهم بالسعي والعمل، والجد والاجتهاد، ليحصل المال من طرقه المشروعة فهذا لا يصبر عليه إلا القلة النادرة.

مَنْ مِنَ الشباب الآن يصبر على تعلم حرفة تكون بابا للرزق يعيش من خلالها بكده وسعيه، كما نقول في العامية “من عرق جبينه”.

مَنْ مِنَ الشباب الآن لديه صبر على زراعة قطعة من الأرض وينتظر حتى ينمو الزرع ثم بعدها يجني المحصول، ويقطف الثمار.

مَنْ مِنَ الشباب الآن يمتلك الشغف لتحصيل العلوم والمعارف والمهارات اللازمة لتخصصه حتى يبرع فيه، ويصبح من المقدَّمين على غيره في هذا التخصص.

أغلبنا الآن يعيش بمبدأ “عيشني النهارده وموتني بكرة”، يريد المكسب السريع الآني، يريد أن يحصل على المال من أقرب طريق ومن أيسره، بغض النظر عن شرف الوسيلة التي سيتكسب من خلالاها من عدمه.

فأصبحنا نشاهد صناع المحتوى الهابط على وسائل “السوشيال ميديا” يقدمون التفاهات، وأحيانا يكشفون العورات من أجل الحصول على أعلى المشاهدات، وأكبر عدد من الإعجابات.. كل هذا من أجل الثراء السريع والحصول على المال دون تعب.

دلني على السوق:

وقبل أن نتكلم عن الحل لهذه الظاهرة، علينا أن نقلب النظر في قصة سيدنا عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- لما هاجر إلى المدينة، وهي قصة ملهمة لكل شاب عزيز النفس، يريد أن يعيش من كدِّه وسعيه، لا من سعي غيره حتى ولو كان مباحا.

فقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري -رضي الله عنه-، فعرض عليه أن يشركه في ماله، فلم يقبل أن يأخذ مالا من غير كد فيه، وقال له: “بارك اللَّه لَكَ فِي أهلك ومالك، دلوني عَلَى السوق”[3].

وأخذ يبيع ويشتري إلى أن ربح مالا قليلا، وتاجر به إلى أن صار من كبار التجار، وأرباب الأموال، وذلك باعتماده على سعيه، ولم يقبل الثراء السريع من غير تعب ولا جهد.

وموقف الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف مليء بالدروس والعبر التي تعتبر علاجا لما نحن فيه، ومن خلال توجيهات الشرع الشريف ندرك أن:

  • أفضل النفقة هي ما كانت من كسب الإنسان وسعيه، لا أن يعيش الإنسان عالة على غيره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما أكلَ أحدٌ طعامًا قطُّ، خيرًا من أنْ يأكلَ من عمَلِ يدِهِ وإنَّ نبيَّ اللهِ داودَ كان يأكلُ من عمَلِ يدِهِ”[4].
  • السعي في تحصيل الرزق باب من أبواب تكفير الذنوب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أمسى كالا من عمل يده أمسى مغفور له”، وقال: “إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها الصلاة ولا الصيام ولا الحج ولا العمرة، قالوا: فما يكفرها يا رسول الله؟ قال: الهموم في طلب المعيشة”[5].
  • العمل في ذاته قيمة وليس مجرد وسيلة لجمع المال، فلو كان الإنسان غنيا ولا حاجة له في المال فإن العمل في حقه شرف وفضيلة.
  • السعادة في الكفاية وليست في الكثرة، بمعنى القليل إذا كانت فيه كفاية حاجات الإنسان الأساسية فقد حصل القدر المطلوب من المال وما زاد عن ذلك فهو فضل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من حمد الله على نعمة الكفاية فيقول: “الحمدُ لله الذي كفَاني وآواني، الحمدُ لله الذي أطعمَني وسقاني، الحمدُ لله الذي منَّ عليَّ وأفضلَ”[6].
  • لا يفهم أحد أن الإسلام جاء ليحرم على الناس جمع المال، لا، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “نعم المال الصالح للرجل الصالح”[7].

الإسلام يجعل من كسب المال الحلال عبادة، ويجعل من إنفاقه على النفس والأهل عبادة، وإنفاقه في سبل الخير طريق إلى الجنة.

فعلى المسلم أن يجتهد في طلب الحلال، ويسعى في تحصيله بالعمل الجاد النافع، الذي يساهم في تقديم ما يحتاجه المجتمع، وما يكون لبنة في بنائه الحضاري.

[1] [الفجر: 20]

[2] [العاديات: 8].

[3] أسد الغابة، ط الفكر، (3/ 377).

[4] أخرجه البخاري في صحيحه، رقم (2072).

[5] أخرجه الطبراني في الأوسط، رقم (102).

[6] أخرجه أبو داود في سننه، رقم (5058).

[7] أخرجه البخاري في الأدب المفرد، رقم (299).

مقالات ذات صلة

الجمع بين ربوي وغيره في عقد واحد

عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، فَفَصَّلْتُهَا، فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ...

التكسب من الوظائف العامة

عَنْ عبدِ الله بن بُريدةَ عن أبيه –رضي الله عنه- عن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنِ استعملناهُ على عَمَلٍ فرزقْناهُ رزقاً فما...

 التكسب من مهنة الحجامة

عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ" رواه ابن ماجه. وعَنْ رَافِعِ بْنِ...

الأكثر قراءة