الخميس, أكتوبر 8, 2026
No menu items!
Google search engine
الرئيسيةالأخلاق النبوية في المعاملات المالية (1)

الأخلاق النبوية في المعاملات المالية (1)

النبي صلى الله عليه وسلم تاجرًا

عرف رسول الله –صلى الله عليه وسلم- التجارة ومارسها قبل البعثة وبعدها، وكانت قبل البعثة سببا في تلقيبه بالصادق الأمين، كما كانت سببًا مباشرًا في تَعَرُّف السيدة خديجة -رضي الله عنها- وزواجها به، فكلنا يعلم أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قبل بعثته قد خرج إلى الشام في تجارةٍ للسيدة خديجة قبل أن يتزوجها، وعَرفتْ صدقه وأمانته، وبركته، حتى استفسرت عبدَها ميسرة عن حال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فقد جاء في السيرة النبوية لابن هشام:

“قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ امْرَأَةً تَاجِرَةً ذَاتَ شَرَفٍ وَمَالٍ، تَسْتَأْجِرُ الرِّجَالَ فِي مَالِهَا وَتُضَارِبُهُمْ إيَّاهُ[1]، بِشَيْءٍ تَجْعَلُهُ لَهُمْ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَوْمًا تُجَّارًا، فَلَمَّا بَلَغَهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا بَلَغَهَا، مِنْ صَدْقِ حَدِيثِهِ، وَعِظَمِ أَمَانَتِهِ، وَكَرَمِ أَخْلَاقِهِ، بَعَثَتْ إلَيْهِ فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ فِي مَالٍ لَهَا إلَى الشَّامِ تَاجِرًا، وَتُعْطِيهِ أَفَضْلَ مَا كَانَتْ تُعْطِي غَيْرَهُ مِنْ التُّجَّارِ، مَعَ غُلَامٍ لَهَا يُقَالُ لَهُ مَيْسَرَةَ، فَقَبِلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْهَا، وَخَرَجَ فِي مَالِهَا ذَلِكَ، وَخَرَجَ مَعَهُ غُلَامُهَا مَيْسَرَةُ حَتَّى قَدِمَ الشَّامَ… ثُمَّ بَاعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سِلْعَتَهُ الَّتِي خَرَجَ بِهَا، وَاشْتَرَى مَا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ، ثُمَّ أَقْبَلَ قَافِلًا إلَى مَكَّةَ وَمَعَهُ مَيْسَرَةُ. فَكَانَ مَيْسَرَةُ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- إذَا كَانَتْ الْهَاجِرَةُ وَاشْتَدَّ الْحُرُّ، يَرَى مَلَكَيْنِ يُظِلَّانِهِ مِنْ الشَّمْسِ- وَهُوَ يَسِيرُ عَلَى بَعِيرِهِ. فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ عَلَى خَدِيجَةَ بِمَالِهَا، بَاعَتْ مَا جَاءَ بِهِ، فَأَضْعَفَ أَوْ قَرِيبًا”[2].

كما كان النبي –صلى الله عليه وسلم- شريكا في الجاهلية للسائب بن أبي السائب –رضي الله عنه- وكانت التجارة في دار السائب[3]، وقد أسلم السائب عام الفتح وحسن إسلامه، وقد رحب به النبي –صلى الله عليه وسلم- وقال مرحبا بأخي وشريكي، ففي مسند الإمام أحمد عَنِ السَّائِبِ بْنِ أَبِي السَّائِبِ أَنَّهُ كَانَ يُشَارِكُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ الإسْلَامِ في التِّجَارَةِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ جَاءَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: “مَرْحَباً بِأَخِي وَشَرِيكي، كَانَ لَا يُدَارِي وَلَا يُمَارِي، يَا سَائِبُ، قَدْ كنْتَ تَعْمَلُ أَعْمَالاً في الْجَاهِلِيةِ لَا تُقْبَلُ مِنْكَ وَهِيَ الْيَوْمَ تُقْبَلُ مِنْكَ”، وَكَانَ ذَا سَلَفٍ وَصِلَةٍ”[4]

وقد أمرنا الله –عز وجل- أن نقتدي ونتأسى بسيدنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}[5]، وقد وصف الله تعالى رسوله الكريم بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ}[6].

ومن جملة ذلك أخلاقه صلى الله عليه وسلم في تجارته وسائر معاملاته المالية، التي ينبغي علينا أن نتأسى ونتخلق بها في معاملاتنا، وسيكون هذا حديثنا في سلسلة مقالات تشمل كل مقالة منها خلقا رفيعا من الأخلاق النبوية في المعاملات المالية.

[1] المضاربة معاملة مالية وصِفَتُها: أن يعطي الرجلُ الرجلَ المال على أنه يتجر به على جزء معلوم يأخذه العامل من ربح المال، أي جزء كان مما يتفقان عليه ثلثا، أو ربعا، أو نصفا، وكان في الجاهلية فأقره الإسلام، وهو مستثنى من الإجارة المجهولة، والرخصة في ذلك إنما هي لموضع الرفق بالناس، انظر بداية المجتهد (4/21).

[2] سيرة ابن هشام (1/187: 189).

[3] قال الأزرقي: “ودار السائب بن أبي السائب العايذي، وقد دخل بعضها في الوادي، وبقيتها في الدار التي يقال لها دار سقيفة، فيها البزازون عند الصيارفة، فيها حق عبد العزيز بن المغيرة بن عطاء بن أبي السائب، وصار وجهها لمحمد بن يحيى بن خالد بن برمك، وفي هذه الدار البيت الذي كانت فيه تجارة النبي صلى الله عليه وسلم، والسائب بن أبي السائب في الجاهلية، وكان السائب شريكا للنبي صلى الله عليه وسلم” أخبار مكة (2/259).

[4] قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد، والطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح (2/89).

[5] [الأحزاب: 21].

[6] [القلم: 4].

مقالات ذات صلة

الجمع بين ربوي وغيره في عقد واحد

عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، فَفَصَّلْتُهَا، فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ...

التكسب من الوظائف العامة

عَنْ عبدِ الله بن بُريدةَ عن أبيه –رضي الله عنه- عن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنِ استعملناهُ على عَمَلٍ فرزقْناهُ رزقاً فما...

 التكسب من مهنة الحجامة

عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ" رواه ابن ماجه. وعَنْ رَافِعِ بْنِ...

الأكثر قراءة