حاجة الناس إلى “النقد” لتبادل السلع والخدمات
أقام الله تعالى الحياة الدنيا على التعاون بين الناس وتبادل المنافع والأشياء، ولكي يستوفي الفرد حاجته من الآخرين يحتاج إلى وسيط للتبادل أو المعاوضة، ومن الأمور المقررة في المعاملات المالية حتى تكون صحيحة، تسمية ومعرفة النقود التي ستكون وسيطا للتبادل، وتعرف النقود بوصفها شكلا من أشكال الأموال، وكان الناس في بداية الأمر يتم التعامل بينهم عن طريق المقايضة وتبادل السلع، ثم تطور هذا الأسلوب وضربت النقود وأصبحت هي الأصل في المعاملات بين الناس بشكل عام.
قال تعالى: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا}[1].
والمعنى الذي نريده من هذه الآية أن الناس تعاملوا في أزمنة قديمة بالنقدين- الذهب والفضة-، ثم تطورت هذه العملات لاحقا، بصورها المتعددة الآن، وقد جاء في كتب التفسير أن أحد الفتية في قصة أصحاب الكهف وقد ذهب لشراء طعام: “فأخرج درهما، فنظروا إليه-أي أهل المدينة- فأنكروه، وأنكروا الدرهم، وقالوا: من أين لك هذا؟ هذا من ورق غير هذا الزمان”[2].
فلكل زمان عملات يتم التعامل بها، وتختلف من بلد إلى بلد ومن عصر إلى عصر، ويشهد عصرنا تطورا كبيرا لهذه العملات في كل البلاد الآن، حتى تم استبدال النقدين-الذهب والفضة-بالعملات الورقية، والتى نطلق عليها” الفلوس”، وصولا إلى ظهور العملات الافتراضية مثل” البيتكوين” وغيرها.
وقبل الحديث عن العملات الرقمية والتعريف بها يحسن بنا أولا أن نعرف معنى النقد في اللغة وعند الفقهاء.
النقد في اللغة: ورد في كتب اللغة عدة معان لكلمة النقد، منها تمييز الجيد من الرديء من الدراهم، ومن معانيها كذلك القبض؛ لأن القابض غالبا ما يكون قد أمعن النظر فيه هل هو جيد أو رديء[3].
ومن المعاني كذلك أن النقد يأتي في مقابلة النسيئة، يقال نقد الثمن أي أعطاه معجلا، والنقد يطلق على المضروب، أي: الذهب والفضة الذي جعل دراهم ودنانير، وغير المضروب[4].
نفهم من هذه المعاني اللغوية أن النقد يعني به تمييز الجيد من الرديء والكشف عن حاله، ويطلق مجازا على الذي يعطى حالا مقابلا النسيئة.
النقد في اصطلاح الفقهاء: عند النظر في التراث الفقهي نجد أن الفقهاء قد عرفوا النقد بعبارات مختلفة فمنهم من قصره على ما له قيمة ذاتية طبيعية، ومرادهم الذهب والفضة فقط؛ لأنهم يرون الثمنية في الذهب والفضة ذاتية خِلقية، فالنقدية منحصرة فيهما دون غيرهما، وهم جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة، وهناك من وسع مفهوم النقود ليشمل كل ما يثبت له النقدية بالعرف، ومرادهم أنها لا تنحصر في الذهب والفضة، بل تشمل كل ما اصطلح الناس على اعتباره ثمنا ويقوم مقام الذهب والفضة في المبادلات والمعاملات، وهم فقهاء الحنفية وراوية عن الإمام مالك وقول منسوب للإمام أحمد، واتجه إليه ابن تيمية[5].
والذي يتضح لنا من أقوال أصحاب الاتجاه الثاني أن النقود تطلق على كل شيء، سواء أكان نفيسا أم خسيسا، مادام الناس قد اتفقوا على نقديته، بحيث يؤدي وظائف النقد، عملا بالعرف الذي اعتبره الشرع دليلا من الأدلة، وأمرنا بالأخذ به.
قال تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}[6]، أي: “من أخلاق الناس وأعمالهم بغير تحسس”[7].
وبالنظر في أقوال بعض الفقهاء المعاصرين نرى أنهم رجحوا عدم حصر النقود في الذهب والفضة بل تشمل كل ما اصطلح عليه الناس، حيث إنه لا دليل على قصرها، وقد استدل هؤلاء بأن التطور التاريخي للنظام النقدي يؤيد ذلك، كما أن العرف معتبر لأن العرف في قوة النص.
وهذا كان من أسباب الاختلاف في حكم العملات الرقمية والتي نواصل الحديث عنها في مقالة قادمة بإذن الله.
[1] [الكهف: 19].
[2] تفسير الطبري، (15/163).
[3] لسان العرب، (3/425).
[4] لسان العرب، (3/425)، ملخصا.
[5] الأسس الفقهية للعملات الرقمية – بيتكوين نموذجًا، ص23.
[6] [الأعراف: 199].
[7] تفسير الطبري، (10/640).


