لايزال الحديث موصولا عن الحيل الفقهية، وعطفًا على ما سبق نعرض في هذه المقالة تقسيم الفقهاء للحيل باعتبار مقصدها، ثم نعرض تقسيما لطيفا من حيث تفويت المقاصد الشرعية للعلامة الطاهر بن عاشور (ت 1973م)، مع بعض النماذج لها.
فقد قسَّم بعض الفقهاء الحيلة باعتبار المقصد والوسيلة، وهذا التقسيم باعتبار المقصد تظهر أهميته عند الحكم على الحيلة، أكثر من توضيحه لأقسام وأنواع الحيل الحاصلة والواقعة في حقيقة الأمر.
وتقسيم الحيل باعتبار موافقتها المقصد الشرعي أو مخالفتها له يأتي في ثلاثة أقسام:
الأول: لا خلاف في بطلانه: لمناقضته مقصود الشارع، ومثال ذلك حيل اليهود في تجميع شحوم الحيوانات المحرمة عليهم وبيعها لغير اليهود، وكذلك حيلتهم في قصة أصحاب السبت الواردة في سورة الأعراف عندما نهاهم الله عن الاصطياد في هذا اليوم، فاحتالوا بأن حفروا بعض الحفر قريبا من البحر حتى يسقط السمك فيها ثم يأخذونه يوم الأحد، ويظهر في هذه الحيل عدم تحقق مقصود الشارع.
الثاني: لا خلاف في جوازه: لموافقة مقصود الشارع، كبيع التمر الرديء وقبض ثمنه، ثم شراء التمر الجيد بهذا الثمن.
الثالث: محل خلاف بين الفقهاء: وعبر عنه الشاطبي بأنه: “محل الإشكال والغموض وفيه اضطربت أنظار النظار”[1].
وسبب الخلاف في هذا القسم أنه لم يتبين بدليل قطعي موافقة الحيلة أو مخالفتها للمقصود الشرعي، فلا يمكن عندئذ إلحاقها بالقسم الأول أو الثاني، وكذلك لم يتبين معارضة الحيلة للمصالح المعتبرة في الشريعة.
تقسيم الحيلة باعتبار تفويت المقصد الشرعي كليا أو جزئيا:
يعتبر هذا التقسيم أدق من الذي قبله وأنفع للفقيه عند النظر في أحكام الحيل، وقد اهتم العلامة الطاهر بن عاشور (ت 1973م) بهذا التقسيم وجعله مقياسا مهما للحكم على الحيلة.
وتنقسم الحيلة بهذا النظر إلى خمسة أنواع:
الأول: تحيل يفوت المقصد الشرعي كله، ولا يعوضه بمقصد آخر، وهذا لا ينبغي الشك في ذمه وبطلانه.
الثاني: تحيل على أمر مشروع بوجه ينقل إلى أمر مشروع آخر، مثل التجارة بالمال المتجمع خشية أن تنقصه الزكاة، فإذا فعل ذلك فقد استعمل المال في مأذون له فحصل مسبب ذلك، وهو بذل المال، في شراء السلع وترتب عليه نقصانه من النصاب فلا يزكى زكاة النقدين، ولكن انتقلت مصلحة المال من نفع الفقير إلى منافع عامة تنشأ عن تحريك المال، وانتقلت زكاته إلى زكاة التجارة.
الثالث: تحيل على تعطيل أمر مشروع على وجه يسلك به أمرا مشروعا، هو أخف عليه من المنتقل منه، مثل لبس الخف لأسقاط غسل الرجلين في الوضوء.
الرابع: تحيل في أعمال ليست مشتملة على معان عظيمة مقصودة للشارع، وفي التحيل منها تحقيق لمماثل مقصد الشارع من تلك الأعمال، مثل التحيل في الأيمان التي لا يتعلق بها حق الغير، كمن حلف ألا يدخل الدار، أو لا يلبس الثوب؛ فإن البر في يمينه هو الحكم الشرعي، والمقصد المشتمل عليه البر هو تعظيم اسم الله تعالى الذي جعله شاهدا عليه، فإذا ثقل عليه البر فالتحلل من يمينه بوجه يشبه البر مثل قطع جزء من الثوب الذي حلف ألا يلبسه، وبهذا يحصل مقصود الشارع من تعظيم اسم الله تعالى، وهذا النوع مجال من الاجتهاد، وقد كثر الخلاف بين العلماء في صوره وفروعه.
الخامس: تحيل لا ينافي مقصد الشارع، أو هو يعين على تحصيل مقصده، ولكن فيه إضاعة حق آخر، أو مفسدة أخرى، مثل التحيل على تطويل عدة المطلقة[2].
ويظهر مما سبق عناية الفقهاء الأقدمين والمحدثين بالحيل الفقهية وبيان ما يصح منها وما لا يصح، مع العناية بتقسيمها تقسيما بديعا يسهل علينا من خلاله أن نقف على ما لا يجوز منها وما لا يجوز منطلقين في ذلك كله من القرآن الكريم والسنة النبوية، وكلام الفقهاء الأثبات، وللحديث بقية.
[1] الموافقات، (2/388).
[2] يراجع مقاصد الشريعة، ص (253: 256).


