الخميس, أكتوبر 8, 2026
No menu items!
Google search engine
الرئيسيةالحيل الفقهية في المعاملات المالية (2)

الحيل الفقهية في المعاملات المالية (2)

تناولنا في مقالة سابقة الحديث عن الحيل الفقهية من خلال تعريفها وعناية الفقهاء بها والتأليف فيها، ونتعرض في هذه المقالة للحديث عن تقسيم الفقهاء للحيل، مع عرض بعض النماذج لها.

عندما نطالع التراث الفقهي نرى أن الفقهاء قسموا الحيل باعتبارات متعددة، فمنهم من نظر إلى الحيلة باعتبار حكمها وقسمها بناء على هذه النظرة، منطلقا في ذلك من الأحكام التكليفية الخمسة، ومنهم من قسم الحيلة باعتبار المقصد والوسيلة، وهناك من قسمها باعتبار تفويت المقصد الشرعي كليَّا أو جزئيَّا، ويمكننا بيان ذلك في نقاط:

تقسيم الفقهاء للحيل باعتبار حكمها:

من المقرر لدى العلماء أن الأحكام التكليفية خمسة وهي: الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والمحرم.

فالحيل الواجبة كالتحيل بطرق مشروعة للوصول إلى أمر واجب تحصيله شرعا، كمباشرة الأسباب الواجبة للحصول على مسبباتها، كالأكل والشرب واللبس، فسلوك الطرق التي اعتبرها الشارع للحصول على هذه الأغراض تعتبر حيلا واجبة، وصورتها العقود الصحيحة بأشكالها المختلفة فهي حيل لتبادل المنافع[1].

والحيل المندوبة وهي ما يترجح فيها جانب الفعل على جانب النهي، كالتحيل في نصرة مظلوم أو قهر ظالم، لا سيما في الحروب، ومثالها ما ورد من قوله-صلى الله عليه وسلم-: “الحرب خدعة”[2].

ومن الحيل المندوبة ما فعله نعيم بن مسعود يوم الأحزاب من حيلة عندما أوعز لبني قريظة أن يشترطوا أخذ بعض أشراف أهل مكة رهينة حتى يقاتلوا معهم رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، وكان ذلك سببا من أسباب تفرق كلمة الأحزاب وعودتهم خاسرين[3].

وهناك الحيل المباحة وهي ما يستوي فيها جانب الفعل والترك على السواء، كمن يخاف فوات الحج لضيق الوقت، فالحيلة أن يحرم إحراما مطلقا، فإن أدرك عرفة عيَّنه بالحج، وإن لم يدرك عيَّنه العمرة، ولا يلزمه بالفوات قضاء الحج[4].

أما الحيل المكروهة فهي ما يترجح فيها جانب الترك على جانب الفعل، ومثالها أن يتعلق بذمة أحد الناس دين وله مال، وأراد صاحب الدين أو غيره تحليفه على أنه لا مال له، فالحيلة أن يهب ماله لابنه الصغير ثم يحلف، فلا حنث عليه وإن استرد ماله بعد ذلك[5].

والحيل المحرمة: كل حيلة قصد بها أكل أموال الناس بالباطل أو بالأيمان الفاجرة أو التهرب من حقوق الله تعالى وواجباته والتحيل عليها، قصد استحلال ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، حتى قال بعض الفقهاء إن هذا التحيل من الكبائر، وهذه الحيل المحرمة هي التي هاجمها العلماء في كتبهم عندما تكلموا عن رفض الحيل في كتبهم كما فعل ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين.

ومن أمثلة الحيل المحرمة أن تكون المرأة بكرا، ويخطبها من يكافئها وهي كارهة له، وخشيت أن يزوجها منه أبوها أو جدها، فاحتالت وقالت: هذا الخاطب أخي من الرضاع، لم يصح تزويج الأب إياها منه[6].

لو نظرنا في هذه الأمثلة التي عرضناها من خلال كلام الفقهاء لوجدنا بيانا واضحا للحيل المحرمة التي يفعلها المحتالون الذين يريدون الالتفاف على شرع الله ليسقطوا عن أنفسهم حدَّا من حدود الله، أو ليتهربوا من حقوق العباد، أو يتهربوا من عهد من العهود، وبالطبع هذا غير مرادنا من الحديث عن الحيل، وإنما أردنا الحيل الواجبة والمندوبة والمباحة، وهذا ما يساعد في تحقيق مقاصد الشرع ولكن بوسيلة غير الوسيلة المعتادة، وقد قسَّم الفقهاء الحيلة باعتبار المقصد والوسيلة، وقسَّمها العلامة الطاهر بن عاشور (ت 1973م) تقسيما لطيفا من حيث تفويت المقاصد الشرعية نقف مع ذلك كله في مقالة تالية بإذن الله، ثم نتناول لاحقا بعضا من الحيل الفقهية في المعاملات المالية على وجه الخصوص، وتعليقات العلماء عليها.

 

[1] الحيل الفقهية وعلاقتها بأعمال المصرفية الإسلامية، ص45.

[2] مسند أحمد، حديث رقم: (2833).

[3] الروض الأنف، (3/433).

[4] الحيل الشرعية، أبو حاتم القزويني الرازي، ص28.

[5]كتاب الخصاف (في الحيل)، ص63.

[6] الحيل الشرعية، أبو حاتم القزويني الرازي، ص23.

مقالات ذات صلة

الجمع بين ربوي وغيره في عقد واحد

عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، فَفَصَّلْتُهَا، فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ...

التكسب من الوظائف العامة

عَنْ عبدِ الله بن بُريدةَ عن أبيه –رضي الله عنه- عن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنِ استعملناهُ على عَمَلٍ فرزقْناهُ رزقاً فما...

 التكسب من مهنة الحجامة

عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ" رواه ابن ماجه. وعَنْ رَافِعِ بْنِ...

الأكثر قراءة