الجمعة, أكتوبر 9, 2026
No menu items!
Google search engine
الرئيسيةالأخلاق النبوية في المعاملات المالية (7)

الأخلاق النبوية في المعاملات المالية (7)

النهي عن ترويج السلعة بالحلف الكاذب

من الأخلاق النبوية في المعاملات المالية خلق كريم ينبغي على كل تاجر أن يتخلق به، وهو تجنب الحلف الكاذب في البيع، وللأسف هو مشاهد بكثرة في معاملات الناس وفي الأسواق، فتجد الواحد منهم يرسل الأيمان الكثيرة أن ثمنها الذي اشتراها به كذا ، وأن ربحه فيها كذا، ثم يبيعها بأقل مما قال، ويظهر كذبه، أو يروجها بهذا الحلف حتى يَغُرَّ المشتري فلا يماكسه أو يفاصله فيها، أو يحلف كاذبا أنه قد عُرِضَ عليه فيها سعر أعلى وأنه لم يرض به،… إلخ مما هو معلوم، وهذا من سوء الأخلاق، وأثمه عظيم، وهو من الخسران المبين؛ لأنه قد اختار الدنيا الفانية على الآخرة الباقية، ولو عرف حقيقة ما فعل لحقر نفسه، فإنه قد: ” غَرَّ أخاه وغشه في معاملته، ولم يرض بذلك حتى زاده غرورًا بأن حلف له بالله عز وجل كذبًا، فباع أمانته، وخفر ذمة نفسه، وأسخط ربه فيما فعل من ذلك، ولقد ختم ذلك بيمين فاجرة في شيء زهيد، لأن الدنيا بأسرها في هذا المقام حقيرة فكيف لشيء منها”[1].

وقد نهى عن هذا النبي -صلى الله عليه وسلم- وأخبر أنه يذهب البركة والربح من البيع، لأنه مهما أخذ من ربح فبجانب السيئات التي اكتسبها فهو خاسر، فكيف إذا ضم إليه بالتوعد بالعذاب يوم القيامة، وأن الله لا ينظر إليه ولا يزكيه: فعَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “ثَلاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرارا، قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: “الْمُسْبِلُ، والْمَنَّانُ، وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ “[2].

والمراد بـ: “الْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ” أي المروج لها، وهو مِنْ قَوْلِهِمْ: نَفَقَ الْبَيْعُ يَنْفُقُ نِفَاقًا: إِذَا كَثُرَ الْمُشْتَرُونَ وَالرَّغَبَاتُ فِيهِ.

واليمين الكاذبة كما هي مروجة للسلعة فإنها مذهبة للربح والبركة كما جاء في الأحاديث النبوية، فعن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلرِّبْحِ»[3]، وفي رواية: “مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ”[4]، وفي رواية: «الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مَمْحَقَةٌ لِلرِّبْحِ»[5].

وعَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ، ثُمَّ يَمْحَقُ»[6].

بل قيل: إن اليمين الكاذبة كما يتوعد بعذاب الآخرة فإنها تذهب بالربح على الحقيقة في الدنيا بتسليط الآفات عليه، قال القاضي عياض: “وقيل: بل المحق في الدنيا والآخرة؛ ممحقة فى الدنيا ترفع البركة منه، أو تكون لتسليط الجوائح عليه حتى يمحق”[7].

كما أنه أيضا ينبغي عليه تجنب كثرة الحلف مع صدقه فيما أخبر به؛ فإن الحلف بغير حاجة مكروه[8]، وهذا مع الصدق فكيف بالكذب، قال المناوي: ” قال الراغب: فحق المسلم أن يتحاشى من الاستعانة باليمين في الحق، وأن يتحقق قدر المقسم به، ويعلم أن الأغراض الدنيوية أخس من أن يفزع فيها إلى الحلف بالله؛ فإنه إذا قال: والله إنه لكذا، تقديره: إن ذلك حق كما أن وجود الله حق، وهذا الكلام يتحاشى منه من في قلبه حبة خردل من تعظيم الله {ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا}”[9]

فاحرص أيها المسلم على هذا الأدب النبوي الرفيع، وتجنب الحلف مطلقا في البيوع، فإن الله تعالى جليل وعظيم، وإن كان ثمة فاعلا فاحرص على الصدق فيه، ولا تكثر الحلف، واعلم أن البركة كل البركة في الاهتداء بالشرع الشريف، والاقتداء بأخلاق النبي -صلى الله عليه وسلم- الكريم.

 

[1] الإفصاح عن معاني الصحاح (2/176).

[2] صحيح مسلم (106).

[3] صحيح مسلم، (1606).

[4] صحيح البخاري، (2087).

[5] مسند أبي يعلى، (6480).

[6] صحيح مسلم، (1607).

[7] إكمال المعلم، (5/311).

[8] انظر شرح صحيح مسلم للنوي، (11/44).

[9] فيض القدير، (3/417).

مقالات ذات صلة

الجمع بين ربوي وغيره في عقد واحد

عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، فَفَصَّلْتُهَا، فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ...

التكسب من الوظائف العامة

عَنْ عبدِ الله بن بُريدةَ عن أبيه –رضي الله عنه- عن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنِ استعملناهُ على عَمَلٍ فرزقْناهُ رزقاً فما...

 التكسب من مهنة الحجامة

عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ" رواه ابن ماجه. وعَنْ رَافِعِ بْنِ...

الأكثر قراءة