المنع من احتكار الأقوات والسلع عند حاجة الناس إليها
من الأخلاق النبوية في المعاملات المالية المنع عن احتكار السلع وأقوات الناس؛ لأن من أهم الخصائص والمميزات لتشريع المعاملات في الإسلام -بل وفي الشريعة كلها-: “أن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح”، ولأجل تحقيق هذا المقصد نهى الشارع عن الممارسات التي تضر بمصالح الناس في مقابلة انتفاع أفراد معدودة، ومن تلك الممارسات ما يعرف بـ(الاحتكار) الذي هو أحد الأسباب الرئيسة في ظهور ما يعرف بـ(السوق السوداء).
فقد نهى الشرع الشريف عنه لكونه يوقع الضرر والظلم بالناس، في مقابلة انتفاع بعض التجار الجشعين الطامعين.
والاحتكار هو عبارة عن قيام التاجر بشراء سلعة معينة وحبسها عن السوق، فتقل وتشح بين الناس، ثم يرفع هذا التاجر ثمن تلك السلعة ويبيعها للناس، مما يؤدي إلى حدوث ضرر للناس، وهذا من التعامل المحرم والمذموم شرعًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطئ»[1].
وعن معقل بن يسار -رضي الله عنه- قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَسْعَارِ الْمُسْلِمِينَ لِيُغْلِيَهُ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُقْعِدَهُ بِعُظْمٍ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[2].
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون»[3].
قال الإمام النووي: “قال أهل اللغة: الخاطئ بالهمز هو العاصي الآثم، وهذا الحديث صريحٌ في تحريم الاحتكار…والحكمة في تحريم الاحتكار دفع الضرر عن عامة المسلمين”[4].
والاحتكار في اللغة يأتي لمعانٍ؛ منها: الضيق، والقلة، والاحتباس، والاستبداد، وهي تحمل معنى سوء الخلق، لكون الإنسان ظالمًا في معاملاته، والظلم من الاخلاق التي جبل الناس على كراهتها طبعا وشرعا.
والاحتكار في الشرع أصله يكون في الأقوات -أي: ما يقوم به بَدَن الإنسان من الطعام-، لكن هذا المعنى مختلف فيه، فقد وقع الخلاف بين الفقهاء في العلة التي من أجلها مُنِع الاحتكار.
وأصل المنع من الاحتكار ليس لذاته بل لما فيه من الإضرار بالناس، كما سبق.
والإضرار معنًى مشتركٌ بين مرتبة الضرورة والحاجة، فإذا أَلجا الاحتكارُ الناسَ إلى مرتبة الضرورة أو الحاجة فهذا هو الاحتكار المحرَّم، والذي يتحقَّق باحتكار أي شيء ولا يخص الطعام دون غيره؛ وهذا واضح عند المالكية لأن الاحتكار عندهم يكون في كل شيء؛ سواء في الأقوات أم غيرها، وهو قول أبي يوسف من الحنفية، وقال الشافعية والحنابلة إنه خاص بالأقوات فقط، وهو المفتى به عند الحنفية، لكن القائلين باختصاصه بالأقوات منهم من جعله في غير الأقوات محرم أيضا لإرادة التاجر السوء والأذى بالناس، قال ابن عابدين: “والظاهر أن المراد أنه لا يأثم إثم المحتكر وإن أثم بانتظار الغلاء أو القحط لنية السوء للمسلمين”[5]، ويستشهد له برواية أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعا: «من احتكر حكرة، يريد أن يغلي بها على المسلمين، فهو خاطئ»[6].
وإذا علمنا حرمة الاحتكار فإن هذا التحريم لا يثبت إلا بشروط، يكاد أن يتفق عليها الفقهاء على وهي:
1- شراء السلعة وقت الغلاء.
2- حبس السلعة مع تربص الغلاء.
3- احتياج الناس لهذه السلعة.
فإذا اختلَّ واحد من هذه الثلاثة فلا يكون احتكارًا، وعلى ذلك فلو حبس السلعة ولم يكن للناس في المحبوس حاجة، أو حبسها مع بيعها بثمن المثل، أو اشتراها في حال الضيق والغلاء ليربح فيها بلا حبس، فلا يعد احتكارًا؛ وكذا لو حبس ما تنتجه أرضه من زرع، أو مصنعه من سلع، أو استورد سلعة من خارج البلد وحبسها فلا يعد احتكارًا ولو مع غلو ثمنها، شريطة ألَّا يكون بالناس ضرورة إليها بحيث يصيبهم ضرر بالحبس؛ لأن المقصد من منع الاحتكار إنما هو رفع الضرر الواقع على مجموع المستهلكين جراء حبس السلعة وقت الضيق والغلاء.
وفي العموم ينبغي على التاجر أن يراعي أحوال الناس، وألَّا يحرص على منفعته فقط ويصرف نظره عن إضراره الناس؛ فيحب نفعه الخاص على حساب المسلمين ولذلك قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: “يكره للرجل أن يحب غلو أسعار المسلمين ويكره الرخص، ويكره المال المكسوب من ذلك، كما قال من قال من الأئمة: إن مالاً جمع من عموم المسلمين لمال سوء”[7].
ونسأله سبحانه أن يحسن أخلاقنا، ويلهمنا رشدنا، وأن يجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر.
[1] أخرجه مسلم في صحيحه، (1605).
[2] أخرجه أحمد في مسنده، (20313).
[3] أخرجه ابن ماجه في سننه، (2/728).
[4] شرح صحيح مسلم بن الحجاج، للنووي (11/ 43).
[5] رد المحتار على الدر المختار، لابن عابدين (6/399).
[6] أخرجه أحمد في “مسنده” (14/265).
[7] المستدرك على مجموع الفتاوى” (4/10).


