السؤال
أنا أعمل محامٍ، وقد وضعت النقابة لائحة تتضمن بعض الجزاءات التأديبية، كالإحالة إلى مجلس التأديب، والغرامة المالية، والمنع من مزاولة المهنة، فما مشروعية هذه الجزاءات من جهة الشرع؟
الجواب
الجزاءات التأديبية المسؤول عنها صحيحةٌ شرعًا، ويشهد لكل إجراءٍ منها دليلٌ من الشرع، وتُكَيَّفُ على أنها تعازير، ما دامت قد صدرت من سلطةٍ مختصةٍ شرعًا وقانونًا.
التأصيل الشرعي
من المقرر أن العقوبات في الشريعة الإسلامية: زواجر، أي تزجر وتنهى عن ارتكاب الأفعال، وهو المقصد الأهم من مقاصد العقوبة، وهي على نوعين: حدود، وتعازير.
والفرق بينهما كما قال ابن عابدين: “أن الحد مقدر، والتعزير مفوض إلى رأي الإمام، وأن الحد يدرأ بالشبهات، والتعزير يجب معها، وأن الحد لا يجب على الصبي، والتعزير شرع عليه، والرابع: أن الحد يطلق على الذمي، والتعزير يسمى عقوبة له، لأن التعزير شرع للتطهير…، وزاد بعض المتأخرين أن الحد مختص بالإمام، والتعزير يفعله الزوج والمولى وكل من رأى أحدًا يباشر المعصية، وأن الرجوع يعمل في الحد لا في التعزير، وأنه يـُحبس المشهود عليه حتى يُسأل عن الشهود في الحد لا في التعزير، وأن الحد لا تجوز الشفاعة فيه، وأنه لا يجوز للإمام تركه، وأنه قد يسقط بالتقادم، بخلاف التعزير”[1].
فهذه الجزاءات التأديبية المسؤول عنها تُكَيَّفُ شرعًا على أنها تعازير، ما دامت قد صدرت من سلطةٍ مختصةٍ شرعًا وقانونًا، فلها تعزير وكيل الخصومة الذي يقع في نطاق مسؤوليتها: عما يقترفه من مخالفات، وذلك أمرٌ مشروعٌ يشهد له الكتاب والسنة، فقد تتكرر من وكيل الخصومة -المحامي- أفعالٌ يظهر منها الرعونة في أداء المهام، كالتأخر عن مواعيد الجلسات مما يهدد بشطب القضايا من رول المحكمة، أو إفشاء أسرار الموكلين، إلى غير ذلك من الأفعال التي تستحق الزجر والعقاب.
وهذه الإجراءات التأديبية قد تأخذ صورًا عدة، فمنها: الإحالة إلى مجلس التأديب الذي قد يحكم بتوبيخ المذنب، والتوبيخ هو: زجر المذنب عن فعله بالتأنيب والتقريع الذي لا قذف فيه ولا سب[2].
وقد طبَّق هذا الإجراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن سيدنا أبي ذر رضي الله عنه قال: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ كَلَامٌ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً، فَنِلْتُ مِنْهَا، فَذَكَرَنِي إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لِي: «أَسَابَبْتَ فُلَانًا؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «أَفَنِلْتَ مِنْ أُمِّهِ؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ»، قُلْتُ عَلَى حِينِ سَاعَتِي: هَذِهِ مِنْ كِبَرِ السِّنِّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، هُمْ إِخْوَانُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ جَعَلَ اللَّهُ أَخَاهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا يُكَلِّفُهُ مِنَ الْعَمَلِ مَا يَغْلِبُهُ، فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ»[3].
وقد يكون هذا الإجراء: الغرامة المالية، وهو تعزيرٌ أيضًا ولكن بالمال، وقد جاءت له شواهد عدة من السنة النبوية، منها: ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ، فَقَالَ: «مَا أَصَابَ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرِ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ سَرَقَ شَيْئًا مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَمَنْ سَرَقَ دُونَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ»[4].
قال السيوطي: “«فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ» قال في النهاية: هذا على سبيل الوعيد والتغليظ لا الوجوب لينتهي فاعله عنه”[5].
فقد دلَّ الحديث على تعزير العاصي بالغرامة المالية، وتطبيق هذه العقوبة على وكيل الخصومة -المحامي- إذا حصل منه موجبها من مخالفة ارتكبها؛ تطبيقٌ سائغٌ ومشروع.
وأما المنع من مزاولة المهنة: فقد يكون دائمًا، ومؤقتًا، وكلاهما مشروع[6]، فوكيل الخصومة له نوع ولاية، فإذا صدرت منه مخالفة: أُوقِفَ عن وكالته موقتًا أو دائمًا بدون تعسف أو تسيب[7].
وقد أورد الخشني القروي في كتابه قضاة قرطبة[8]: أن القاضي سعيد بن سليمان الغافقي منع بعض الخصوم من أن يتخاصموا عنده سنة، حتى كاد أن يورثهم الفقر، وذلك بعد ما أساءوا إليه في مجلس القضاء.
وقال ابن فرحون: “مسألة: من وَكَّلَ ابتداء إضرارا لخصمه لم يُمكَّن من ذلك، وقال محمد بن لبابة: كل من ظهر منه عند القاضي لَدَدٌ وَتَشْغِيبٌ في خصومة فلا ينبغي له أن يقبله في وكالة، إذ لا يحل إدخال اللدد على المسلمين.
قال ابن سهل: والذي ذهب الناس إليه في القديم والجديد: قبول الوكلاء، إلا من ظهر منه تَشْغِيبٌ وَلَدَدٌ، فلذلك يجب على القاضي إبعاده وألا يقبل له وكالة على أحد”[9].
فهذه الاجراءات المسؤول عنها كلها: اجراءات صحيحة شرعًا وقانونًا ولا شيء فيها.
والله تعالى أعلم
[1] رد المحتار على الدر المختار، لابن عابدين (4/ 60).
[2] الأحكام السلطانية، للماوردي (ص: 236). السياسة الشرعية، لابن تيمية (ص: 97).
[3] أخرجه البخاري في “صحيحه” (5703).
[4] أخرجه النسائي في “سننه” (4958).
[5] حاشية السيوطي على سنن النسائي (8/ 85).
[6] السياسة الشرعية، لابن تيمية (ص: 97).
[7] نهاية الرتبة في طلب الحسبة، لابن بسام (ص: 137). وتاريخ قضاة الأندلس، لأبي الحسن النباهي الأندلسي (ص: 76).
[8] قضاة قرطبة، للخشني (ص: 137).
[9] تبصرة الحكام، لابن فرحون (1/ 180).


