السؤال
أخرج زكاة مالي كل عام في شهر رمضان، وأقوم مع مجموعة من رجال الأعمال بعمل مائدة لإفطار الصائمين، فهل يجوز صرف أموال الزكاة في موائد الرحمن؟
الجواب
أموال الزكاة لا يجوز صرفها إلا للأصناف المحددة على سبيل الحصر في القرآن الكريم، ويشترط تمليكها لهم، ولما كانت طبيعة موائد الرحمن أنه يرتادها ذا الحاجة وغيره، فلا يجوز عملها من أموال الزكاة.
التأصيل الشرعي
الزكاة فريضةٌ شرعية، وهي ركنٌ من أركان الإسلام الخمسة وهي “اسم لقدرٍ مخصوصٍ من مالٍ مخصوصٍ يجب صرفه لأصناف مخصوصة، وسميت بذلك؛ لأن المال ينمو ببركة إخراجها ودعاء الآخذ؛ ولأنها تطهر مخرجها من الإثم وتمدحه حين تشهد له بصحة الإيمان”[1].
وقد بيَّن الله سبحانه وتعالى أصنافها بقوله عز وجل: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}[2].
قال ابن كثير: “لما ذكر تعالى اعتراض المنافقين الجهلة على النبي صلى الله عليه وسلم ولمزهم إياه في قسم الصدقات، بين تعالى أنه هو الذي قسمها وبين حكمها وتولى أمرها بنفسه، ولم يكل قسمها إلى أحد غيره، فجزأها لهؤلاء المذكورين، كما رواه الإمام أبو داود في سننه… عن زياد بن الحارث الصدائي قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فبايعته، فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة فقال له: «إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أصناف، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك»”[3].
وقد نصَّ الفقهاء على أن من شروط إخراج الزكاة إلى الفقير: أن تُدفَع إليه على جهة التمليك، ولا يتأتى ذلك بمجرد إباحة الانتفاع بالمال.
قال الزَّيْلَعِي الحنفي: “الزكاة يجب فيها تمليك المال؛ لأنَّ الإيتاء في قوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاة} يقتضي التمليك، ولا تتأدى بالإباحة، حتى لو كَفَلَ يتيمًا فأنفَقَ عليه نَاوِيًا للزكاة، لا يجزيه”[4].
وقال البُهُوتِي الحنبلي: “(ويعتبر تمليك الفقير) كالزكاة والكفارة (فلا يكفي إطعامه)؛ لأنه إباحة”[5].
وموائد الرحمن -وإن كانت من صور التكافل والتعاون على البر والتقوى الممدوحين شرعًا-، إلا أنها ليس فيها تمليك للفقير، فلا يجوز إخراجها من أموال الزكاة.
قال الكاساني الحنفي: “وكذلك إذا اشترى بالزكاة طعامًا فأطعم الفقراء غداءً وعشاءً ولم يدفع عين الطعام إليهم، لا يجوز لعدم التمليك”[6].
وقال النووي الشافعي: “قال الإمام: الذي ينقدح عندي: إذا أوجبنا التصدُّق بشيءٍ أنه لا بد من التمليك كما في الكفارات، وكذا صرح به الروياني فقال: لا يجوز أن يدعو الفقراء ليأكلوه مطبوخًا؛ لأنَّ حقهم في تملكه، فإن دفع مطبوخًا، لم يجز، بل يفرقه نيئًا”[7].
كما أن هذه الموائد يرتادها الفقير والغني، وذا الحاجة وغيره، وإخراجها من الزكاة يقتضي ألا يأكل منها غير أصناف الزكاة، وهو أمرٌ لا ينضبط، فلا تصح من الزكاة، قال الماوردي الشافعي: “… أضاف الصدقة إلى الأصناف الثمانية بـ (ل) التمليك، وعطف بعضهم على بعض بواو التشريك، وكلما يصح أن يملك إذا أضيف إلى من يصح أن يملك، اقتضت الإضافة ثبوت الملك، كما لو قال: هذه الدار لزيد وعمرو”[8].
وقال ابن قدامة الحنبلي: “فلا يجوز صرفها إلى غيرهم… لأن الله تعالى خصهم بها بقوله: {إِنَّمَا} وهي للحصر، تثبت المذكور وتنفي ما عداه، ولا يجب تعميمهم بها”[9].
فلا يجوز صرف أموال الزكاة في موائد الرحمن لعدم تمليكها للفقراء، وعدم اختصاص الإطعام في موائد الرحمن بالفقراء.
والله تعالى أعلم
[1] مغني المحتاج، الخطيب الشربيني الشافعي (2/ 62).
[2] [التوبة: 60].
[3] تفسير القرآن العظيم (4/ 303).
[4] تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (1/ 251).
[5] كشاف القناع عن متن الإقناع (3/ 23).
[6] بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (2/ 39).
[7] روضة الطالبين وعمدة المفتين (3/ 222).
[8] الحاوي الكبير (8/ 479).
[9] الكافي في فقه الإمام أحمد (1/ 423).


