السؤال
حكم القيام بجراحة تجميلية لإزالة تشوه نتج من حريق بالوجه لإعادته إلى ما قبل الحريق؟
الجواب
الجراحة التجميلية في حالات التشوه الناتج عن حوادث الحريق ونحوها لا حرج على الطبيب ولا على المريض في فعل هذا النوع من الجراحة، والإذن به، اعتبارًا للأصل الموجب لجواز مداواة نفس الحرق، فهو من باب التداوي والتجميل تابع له.
التأصيل الشرعي
الجراحة التجميلية في حالات التشوه الناتج عن حوادث الحريق ونحوها لا حرج على الطبيب ولا على المريض في فعل هذا النوع من الجراحة، والإذن به، اعتبارًا للأصل الموجب لجواز مداواة نفس الحرق، فهو من باب التداوي والتجميل تابع له، وقد أشار الإمام النووي إلى التفريق بينهما في شرح حديث: «لَعَنَ اللهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالنَّامِصَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ» من صحيح مسلم بقوله: “لعن الواشرة والمستوشرة وهذا الفعل حرام على الفاعلة والمفعول بها لهذه الأحاديث ولأنه تغيير لخلق الله تعالى ولأنه تزوير ولأنه تدليس وأما قوله المتفلجات للحسن فمعناه يفعلن ذلك طلبا للحسن وفيه إشارة إلى أن الحرام هو المفعول لطلب الحسن أما لو احتاجت إليه لعلاج أو عيب في السن ونحوه فلابأس”[1].
وأيضا “هذه العيوب تشتمل على ضرر حسي، ومعنوي، وهو موجب للترخيص بفعل الجراحة لأنه يعتبر حاجة، فتنزل منزلة الضرورة”[2]، ويرخص بفعلها إعمالاً للقاعدة الشرعية التي تقول: “الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة”[3].
وقد رخصت الضرورة بمثل ذلك فاستثنى الشرع من حرمة استعمال الذهب والفضة ما كان منه في تشوه في الجسم، كما في الحديث أن عرفجة بن أسعد لما أصيبت أنفه فجدعت فأمره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يتخذ أنفا من ذهب، وقد نص فقهاء المذاهب أن ذلك كان من باب الضرورة:
قال الكاساني الحنفي: “وأما شد السن المتحرك بالذهب فقد ذكر الكرخي – رحمه الله – أنه يجوز ولم يذكر خلافا وذكر في الجامع الصغير أنه يكره عند أبي حنيفة وعند محمد رحمهما الله لا يكره ولو شدها بالفضة لا يكره بالإجماع وكذا لو جدع أنفه فاتخذ أنفا من ذهب لا يكره بالاتفاق لأن الأنف ينتن بالفضة فلا بد من اتخاذه من ذهب فكان فيه ضرورة فسقط اعتبار حرمته.
وقد روي «أن عرفجة أصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفا من ورق فأنتن فأمره سيدنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن يتخذ أنفا من ذهب» وبهذا الحديث يحتج محمد على ما ذكر في الجامع لجواز تضبيب السن بالذهب ولأنه يباح له أن يشده بالفضة فكذا بالذهب لأنهما في حرمة الاستعمال على السواء ولأنه تبع للسن والتبع حكمه حكم الأصل وهذا يوافق أصل أبي حنيفة – رضي الله عنه – وحجة ما ذكر أبو حنيفة – رضي الله عنه – في الجامع إطلاق التحريم من غير فصل ولا يرخص مباشرة المحرم إلا لضرورة وهي تندفع بالأدنى وهو الفضة فبقي الذهب على أصل التحريم والاستدلال بالفضة غير سديد لتفاوت بين الحرمتين على ما مر”[4].
وقال الشيخ عليش المالكي: ” (الأنف) الساقط فيجوز تعويضه بأنف من ذهب، أو فضة وبعضهم خص الذهب لخاصية منع نتنه، والأصل فيه «أن عرفجة بن سعد قطع أنفه يوم الكلاب بضم الكاف وخفة اللام اسم ماء كانت الواقعة عنده فاتخذ أنفا من ورق فأنتن فأمره النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يتخذه من ذهب فاتخذه من ذهب» رواه أبو داود والنسائي والترمذي وحسنه”[5].
وقال الماوردي الشافعي: “ويجوز للأجدع من الرجال والنساء من أن يتخذ أنفا من فضة أو ذهب، فقد روي أن عرفجة بن أسعد أصيب أنفه يوم الكلاب في الجاهلية فاتخذ أنفا من فضة فأنتن عليه، فأمره النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يتخذ أنفا من ذهب، ويجوز للرجل والمرأة أن يشدا أسنانهما بالذهب والفضة، فقد فعل ذلك عثمان بن عفان رضي الله عنه”[6].
وقال ابن قدامة الحنبلي: “وأما الذهب، فيباح منه ما دعت الضرورة إليه، كالأنف في حق من قطع أنفه؛ لما روي «عن عبد الرحمن بن طرفة، أن جده عرفجة بن أسعد. قطع أنفه يوم الكلاب، فاتخذ أنفا من ورق فأنتن عليه، فأمره النبي – صلى الله عليه وسلم – فاتخذ أنفا من ذهب.» رواه أبو داود. وقال الإمام أحمد: ربط الأسنان بالذهب إذا خشي عليها أن تسقط قد فعله الناس، فلا بأس به عند الضرورة”[7].
ويلحق بذلك كل إصلاح للعضو الذي تلف كله أو بعضه أو شكله بسبب من الأسباب، ويعد من قبيل التداوي المأذون فيه.
والله تعالى أعلم
[1] شرح صحيح مسلم (14/107).
[2] أحكام الجراحة الطبية (ص185).
[3] الأشباه والنظائر للسيوطي (ص 88)، والأشباه والنظائر لابن نجيم (ص 91).
[4] بدائع الصنائع (5/132).
[5] منح الجليل شرح مختصر خليل (1/58).
[6] الحاوي الكبير (3/275).
[7] المغني (3/46).


