السؤال
من المعاملات الشائعة عندنا في القرية أنَّ أصحاب الأراضي الزراعية يقومون بدفعها لمن يزرعها مقابل أن يأخذوا نصف المحصول، والنصف الآخر يكون للعامل مقابل تحمله جميع النفقات والعمل في الأرض، والسؤال عن الحكم الشرعي لهذه المعاملة؟
الجواب
دفع الأرض لعامل يقوم بزراعتها وتحمله نفقاتها من بذر ونحوه مقابل حصوله على جزء مما يخرج منها جائز شرعًا، وهو نوع من المشاركة بين صاحب الأرض والعامل على أن يكون الخارج من الأرض بينهما على ما يتفقا عليه.
التأصيل الشرعي
اتفاق صاحب الأرض مع عامل ليقوم بزراعتها مقابل حصوله على حصة من محصولها يسمى شرعا مخابرة، وهي: إجارة الأرض ببعض ما يخرج منها والبذر من العامل[1].
وسميت مخابرة من الخبار، وهو الأرض اللينة، ومن قولهم خبرت الأرض إذا شققتها للزراعة، والفرق بينها وبين المزارعة أن البذر يكون فيها على العامل، بخلاف المزارعة فالبذر فيها على صاحب الأرض.
وجماهير العلماء على عدم جوازها، قال صاحب رحمة الأمة: “ولا تجوز المخابرة وهي عمل الأرض ببعض ما يخرج منها والبذر من العامل بالاتفاق”[2].
وذلك لورود النهي عنها في السنة المطهرة، فعن جابر رضى الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة»[3].
وأجازها بعض العلماء وتأولوا النهي الوارد بأنه نهي عن صورة كانت شائعة زمان البعثة وقد جاءت مفسرة في حديث رافع ابن خديج “بأنه لم يكن لهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كراء إلا بزرع مكان معين من الحقل، وهذا النوع حرام عند الفقهاء قاطبة”[4].
وقال ابن تيمية: “وقد ذهبت طائفة من الفقهاء إلى الفرق بين المخابرة والمزارعة، فقالوا: المخابرة هي المعاملة على أن يكون البذر من العامل، والمزارعة على أن يكون البذر من المالك، قالوا: والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة لا المزارعة، وهذا أيضا ضعيف فإنا قد ذكرنا عن النبي صلى الله عليه وسلم ما في الصحيح أنه نهى عن المزارعة، كما نهى عن المخابرة، وكما نهى عن كراء الأرض، وهذه الألفاظ في أصل اللغة عامة لموضع نهيه وغير موضع نهيه، وإنما اختصت مما يفعلونه لأجل التخصيص العرفي لفظًا وفعلًا، ولأجل القرينة اللفظية وهي لام العهد، وسؤال السائل وإلاَّ فقد نقل أهل اللغة أن المخابرة هي المزارعة والاشتقاق يدل على ذلك”[5].
فالنهي الوارد عنها ليس عاما وإنما لمعاملة مخصوصة كانت شائعة في زمانهم، وهي أن يأخذ صاحب الأرض محصول قطعة معينة من الأرض، وما يخرج من باقي الأرض يكون للآخر، والنهي عنها؛ لاشتمالها على الغرر، فقد تنتج قطعة ولا تنتج الأخرى.
وعلى هذا فالمعاملة المذكورة جائزة شرعًا وهي نوع من المشاركة بين صاحب الأرض والعامل، على أن يكون الخارج من الأرض بينهما على ما يتفقا.
والله تعالى أعلم
[1] تحفة الحبيب بشرح نظم غاية التقريب، للفشيني (ص: 169).
[2] رحمة الأمة في اختلاف الأئمة، للعثماني (ص: 109).
[3] أخرجه البخاري في “صحيحه” (2252)، ومسلم في “صحيحه” (1536).
[4] الفتاوى الكبرى، لابن تيمية (4/ 64).
[5] الفتاوى الكبرى، لابن تيمية (4/ 70).


