الخميس, أكتوبر 8, 2026
No menu items!
Google search engine
الرئيسيةالمعاملات المالية في ضوء المقاصد الشرعية (3)

المعاملات المالية في ضوء المقاصد الشرعية (3)

المقاصد الشرعية من المعاملات المالية

نتحدث في هذا المقال عن المقاصد الكلية التي يتغياها الشرع من المعاملات المالية، ويمكن تقسيم تلك المقاصد إلى ثلاثة مقاصد كلية يندرج تحتها الكثير من المدارج الجزئية، وهذه المقاصد الكلية:

  1. مقصد الرواج والتداول المالي.
  2. مقصد العدل.
  3. مقصد الوضوح في المعاملات المالية.

ويمكن نتناول هذه المقاصد بشيء من التفصيل في النقاط التالية:

أولًا: مقصد الرواج والتداول المالي:

والمقصود بذلك أن الشارع يهدف من المنظومة التشريعية الخاصة بالمعاملات المالية إلى المحافظة على حالة من الرواج والانسيابية للمال، بحيث لا يكون المال راكدًا أو محتكرًا عند فئة معينة من الناس، بل يكون المال متداولًا في الأيدي وفي حالة انتقال وحركة دائمة مما من شأنه تعزيز حالة الازدهار الاقتصادي في المجتمع وتحقيق توازنٍ بين مصالح الأطراف المختلفة وجعل السوق أكثر استقرارً.

فالمال له وظيفة اجتماعية مهمة في المجتمع فلو احتكرته فئة معينة، وأصبح متداولًا بينهم فقط ولا يخرج عنهم، أو حبسه الناس واكتفوا بادخاره وعدم استثماره؛ لأدى ذلك إلى بطلان وظيفة المال، فيترتب على ذلك الكساد والبطالة والفقر مما يؤدي إلى زعزعة استقرار المجتمعات وفشوا المشاكل الاقتصادية فيها ويتبعها بالضرورة المشاكل الأخلاقية؛ لذلك كانت التشريعات الربانية فيما يتعلق بتنظيم المعاملات المالية تهدف بطريقة أساسية إلى الوصول إلى جعل المال دولة بين الناس ورائجًا بينهم، يقول تعالى: { كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ }[1].

يقول الطاهر ابن عاشور: “وقد بدا من هذا التعليل أن من مقاصد الشريعة أن يكون المال دولة بين الأمة الإسلامية على نظام محكم في انتقاله من كل مال لم يسبق عليه ملك لأحد مثل الموات، والفيء، واللقطات، والركاز، أو كان جزءا معينا مثل: الزكاة، والكفارات، وتخميس المغانم، والخراج، والمواريث، وعقود المعاملات التي بين جانبي مال وعمل مثل: القراض والمغارسة، والمساقاة، وفي الأموال التي يظفر بها الظافر بدون عمل وسعي مثل: الفيء والركاز، وما ألقاه البحر…” [2].

وقد سنت الشريعة حزمة أو منظومة من التشريعات المتكاملة للمحافظة على هذا الرواج والتداول المستدام، منها:

  • تحريم الكنز: يقول تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}[3].
  • تحريم الاحتكار: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ»[4].
  • تحريم الربا: يقول تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}[5] .
  • إيجاب الزكاة: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ}[6].
  • الدعوة إلى التجارة والبيوع واستثمار الأموال وإباحة الكثير من العقود والمعاوضات المالية: يقول تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ}[7].

وهناك وسائل شرعية لتيسير تداول المال بين الناس، وهو ما سنتناوله بشيء من التفصيل في المقال التالي بإذن الله.

[1] [الحشر: 7]

[2] التحرير والتنوير، ص85 ج28

[3] [التوبة: 34]

[4] صحيح مسلم (3/ 1227)

 [5] [البقرة: 275]

[6][البقرة: 43]

[7] [النساء: 29].

 

مقالات ذات صلة

الجمع بين ربوي وغيره في عقد واحد

عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، فَفَصَّلْتُهَا، فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ...

التكسب من الوظائف العامة

عَنْ عبدِ الله بن بُريدةَ عن أبيه –رضي الله عنه- عن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنِ استعملناهُ على عَمَلٍ فرزقْناهُ رزقاً فما...

 التكسب من مهنة الحجامة

عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ" رواه ابن ماجه. وعَنْ رَافِعِ بْنِ...

الأكثر قراءة