الخميس, أكتوبر 8, 2026
No menu items!
Google search engine
الرئيسيةالعملات الرقمية في ضوء الشريعة الإسلامية (6)

العملات الرقمية في ضوء الشريعة الإسلامية (6)

لماذا نرجح منع التعامل بالعملات الرقمية؟

تحدثنا في مقالات سابقة عن العملات الرقمية، طوفنا فيها بإيجاز غير مخل عن تعريفها، وتاريخها، وآراء العلماء فيها، والآن نريد أن نقف مع القارئ الكريم على أيِّ الآراء نرجح، ولماذا؟.

بادئ ذي بدء نؤكد على أن الشريعة الإسلامية شريعة عظيمة جاءت لحفظ الفرد ولحفظ الأمة، وحفظ المال الذي هو عصب الحياة، ومما لا شك فيه أن المال تقوية لشوكة الأمة، ورعاية المال بوضعه في الموضع الصحيح فيه صيانة للفرد ومن يعولهم من مذلة السؤال، وفي هذا المال كذلك حق للفقراء والمساكين، ولأجل هذه الأمور جعلت الشريعة حفظ المال من المقاصد الكلية، وقد نطقت بذلك العديد من النصوص الشرعية.

وإذا كانت الشريعة قد دعت إلى دوران المال بين أيدي كثير من الناس، وهذا يتضح من قوله تعالى: {كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ}[1].

والمعنى كما قال الشيخ رشيد رضا: “أن الله تعالى فرض في أموال الأغنياء صدقة لمواساة الفقراء ومن في معناهم، وإقامة المصالح العامة… وأن الفائدة في ذلك للأغنياء تطهير أنفسهم من رذيلة البخل، وتزكيتها بفضائل الرحمة بالفقراء وسائر أصناف المستحقين، ومساعدة الدولة والأمة في إقامة المصالح العامة الأخرى …، والفائدة للفقراء وغيرهم إعانتهم على نوائب الدهر – مع ما في ذلك من سد ذريعة المفاسد في تضخم الأموال وحصرها في أناس معدودين”[2].

فحركة المال تحكمها بعض الضوابط الشرعية المتعلقة بالدولة والفرد، وهذه الضوابط الشرعية في مجملها تنظم حركة المال بضوابط عملية، حيث تنظم الكسب وتيسر استثمار المال ونمائه والحفاظ عليه، وهذه الضوابط منها ما يقع على الدولة، ومنها ما يقع على الفرد، فمما يقع على الدولة إصدار النقود والعملات، والإشراف التام على النقد من حيث نوعه وصفاته وإصداره وكميته، لكي يأمن المجتمع من الغش والفساد.

ومن الأمور التي تقع على الفرد أن الشريعة حثت على الكسب الحلال، وحذرت من كل صور الضرر والفساد والكسب الباطل، والأصل في ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}[3].

والمراد من الآية كما يقول الإمام الطبري أن الله تعالى: “نهى عن أكلهم أموالهم بينهم بالباطل وبالربا والقمار والبخس والظلم”[4].

فالمال يجب أن يتحرك داخل المجتمع ولا يكون راكدا مكنوزا لا منفعة فيه إلا شهوة التملك فقط والتي تعود على رب المال وحده دون منفعة تذكر على غيره، وعندما يتحرك المال لا بد أن تكون حركته مأمونة من الضياع فهو مال الفرد ومال الأمة كذلك.

يقول الشيخ الطاهر ابن عاشور: “من مقاصد حفظ المال مقصد وضوح الأموال، وذلك بإبعادها عن الضرر والتعرض للخصومات بقدر الإمكان، وفي هذه تسهيل لحفظها من التعرض للجحود والنكران ثم الضياع”[5]، فيجب على رب المال صون المال عن الفقد بوضعه في الطريق الصحيح، وهو الطريق الذي تقره الشريعة من خلال نصوصها واجتهاد علمائها.

أخيرا: وبعد هذا الحديث عن العملات الرقمية، ودراسة آراء المانعين والمجيزين، وعرض آراء من توقف في هذه المسألة نرى أن التعامل بهذه العملات يتعارض مع مقاصد الشريعة الإسلامية التي عرضناها آنفا، فالعملات الرقمية تقوم على المجهولية وعدم الضمان، وهي تهدد الاستقرار المالي في الدول التي ينتشر استخدامها فيها؛ لأن التحكم في كميات عرض النقود لم يعد تحت سيطرة تلك الدول، كما أن عملية التعدين غير القانوني يكلف الدول أموالا باهظة جراء الاستخدام المفرط للكهرباء[6].

وإذا كان تكلمنا عن دوران المال باعتباره مقصدا شرعيا،  فإن العملات الرقمية تقوم على الاحتكارية بين فئة قليلة، وهم الذين يملكون أجهزة تعدين عالية القدرة، مع محدودية كمية العُملة المتعامل بها، وهذا يشكل تهديدا للمستقبل المالي للفرد والأمة.

ما نريد الوصول إليه من هذه المقالات المتتابعة أن المال في الإسلام تحكمه ضوابط وقواعد لا تتحقق عند التعامل بالعملات الرقمية، وإلى أن يكون التعامل بهذه العملات منضطبة بالقواعد الإسلامية مستقبلا فإنه يحرم على المسلم التعامل بهذه العملات حفاظا على المال الذي جعله الله مستخلفا فيه، ولما في هذه العملات من نهب لأموال الفرد والأمة وجهالة وغرر لا يمكن التسامح معه.

 

[1] [الحشر: 7].

[2] تفسير المنار، (10/439).

[3] [النساء: 29].

[4] تفسير الطبري، (6/620).

[5] مقاصد الشريعة الإسلامية، (437).

[6] على سبيل المثال تواجه ماليزيا أزمة متصاعدة بسبب تعدين البيتكوين غير القانوني، إذ أكدت شركة المرافق الوطنية الماليزية، تيناغا ناسيونال (TNB)، أنها خسرت 1.11 مليار دولار أمريكي من الكهرباء خلال السنوات الخمس الماضية بسبب عمليات التعدين المخالفة. https://www.arabictrader.

مقالات ذات صلة

الجمع بين ربوي وغيره في عقد واحد

عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، فَفَصَّلْتُهَا، فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ...

التكسب من الوظائف العامة

عَنْ عبدِ الله بن بُريدةَ عن أبيه –رضي الله عنه- عن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنِ استعملناهُ على عَمَلٍ فرزقْناهُ رزقاً فما...

 التكسب من مهنة الحجامة

عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ" رواه ابن ماجه. وعَنْ رَافِعِ بْنِ...

الأكثر قراءة