عَن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْخَصَ لِصَاحِبِ الْعَريَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ» متفق عليه.[1]
وعن بُشَيْر بْن يَسَارٍ مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ، أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، وَسَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ، حَدَّثَاهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، إِلَّا أَصْحَابَ العَرَايَا، فَإِنَّهُ أَذِنَ لَهُمْ» متفق عليه[2].
معاني المفردات
العرية: هي بيع الرطب على النخل بالتمر الموضوع على الأرض، وسُمِّيت بذلك لأنها عريت عن التحريم.
بخرصها: الخرص هو التقدير بأن تقدر الثمرة على رؤوس النخل بما يساوي ذلك تمرا إذا يبس.
فقه الحديث
قد سبق النهي معنا النهي عن بيع المزابنة وهو بيع الثمر الأخضر بشيء من جنسه ونوعه يابسا، مثل الرطب يباع بالتمر، والعنب يباع بالزبيب، وذلك لأنّ القدر غير معلوم، فإنّ الأخضر غير معلوم المقدار بتقدير يبسه، وهو يحرم بيعه إلا بالتساوي، ولكنّ الشرع قد استثنى من هذا التحريم نوعا وهو ما يعرف بالعرايا، وهو أن يبيع ثمر نخلات معلومة، بعد بدو الصلاح فيها بالتقدير بما يساويها من التمر على الأرض كيلا، استثناها الشارع فأجازها رخصة لعباده تسهيلا عليهم؛ وذلك لحاجة صاحب النخل أو صاحب التمر:
فصاحب الرطب على النخل قد يخشى أن يفنى رطبه وهو يريد تمرا يابسا ينفعه وقت طويل.
وصاحب التمر على الأرض قد يحتاج رطبا يتفكه به مع الناس وليس عنده نقد يشتري به، “قال محمود بن لبيد، لرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، إما زيد بن ثابت، وإما غيره: ما عراياكم هذه؟ فقال: وسمى رجالا محتاجين من الأنصار، شكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطبا يأكلونه مع الناس، وعندهم فضول من قوتهم من التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم يأكلونها رطبا”[3].
فهذا من يسر الشريعة الإسلامية بأن رفع الحرج عنهم، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، فرفع سبحانه عنهم العسر رحمة بهم، مصداقا لقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185].
وقد وردت هذه الرخصة مقيدة فيما دون خمسة أوسق، أي ما يساوي سبعمائة كيلو جرام تقريبًا، فيجوز مبادلة الرطب بالتمر فيما هو أقل من ذلك؛ دفعا لحاجة المحتاج.
[1] أخرجه البخاري (1302)، ومسلم (1539).
[2] أخرجه البخاري (2383)، ومسلم (1540).
[3] شرح السنة للبغوي (8/89).


