السؤال
أعمل طبيبًا جراحًا، وعملي يحتاج إلى تركيز شديد، ولديَّ جدول عمليات محدد سلفًا قبل شهر رمضان، ولا أستطيع أن أقوم بإجرائها وأنا صائم، فهل يجوز لي الإفطار لأتمكن من القيام بها؟
الجواب
إذا تعين الإفطار لتتمكن من القيام بهذه الجراحات العاجلة التي لا تحتمل التأجيل إلى الليل، فيباح لك الفطر؛ لإنقاذ حياة المرضى، أو لتخفيف آلامهم.
وكذلك إذا كثرت العمليات في يوم واحد ولحقتك مشقة شديدة من القيام بها؛ فيجوز لك الفطر أيضا، ويجب عليك القضاء في الحالين بعد رمضان.
التأصيل الشرعي
حفظ النفس من المقاصد التي جاءت بها الشريعة الإسلامية وحثت عليها، قال تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}[1]، قال الإمام الشاطبي: “ومجموع الضروريات خمسة، وهي: حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، وقد قالوا: إنها مراعاة في كل ملة”[2].
وصوم رمضان ركنٌ من أركان الدين، وفرضٌ على كل مسلم بالغ عاقل مستطيع للصيام، قال الخطيب الشربيني الشافعي في الحديث عن شروط وجوب صوم رمضان: “(وإطاقته) أي الصوم… فلا يجب… على من لا يطيقه حسًا أو شرعًا لكبرٍ أو مرضٍ لا يُرجى برؤه، أو حيضٍ أو نحوه، ولا على مريضٍ ومسافر”[3].
ومن المقرر أنه إذا تعارضت مصلحتان قدمت أشدهما نفعًا، قال الجلال السيوطي: “درء المفاسد أولى من جلب المصالح، فإذا تعارض مفسدة ومصلحة، قدم دفع المفسدة غالبًا، لأن اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ»، ومن ثم سومح في ترك بعض الواجبات بأدنى مشقة، كالقيام في الصلاة، والفطر”[4].
وقال العز بن عبد السلام: “والحاصل أن الشرع يجعل المصلحة المرجوحة عند تعذر الوصول إلى الراجحة، أو عند مشقة الوصول إلى الراجحة: بدلًا من المصلحة الراجحة، كما يبدل الوضوء بالتيمم، والصيام بالإعتاق، والإطعام بالصيام”[5].
وعليه: فإنه يجب التفريق بين العمليات الطارئة وغيرها، فإذا أمكن تأخير العمليات إلى الليل: فلا يباح الفطر في نهار رمضان، لأن تعظيم الشهر بالصيام واجبٌ على كل مسلم.
وأما إذا كانت العمليات طارئة لا يمكن تأخيرها إلى الليل، أو خيف مع التأخير زيادة المرض، فإن دفع مفسدة زيادة المرض أولى من جلب مصلحة الصيام، وللطبيب حينئذ حالتان:
الأولى: أن تكون الحالة طارئة وتحتاج إلى دقة وتركيز شديدين والصيام يضعف تركيزه بحيث يخشى الغلط بسبب الصوم، ففي هذه الحالة يجوز له الفطر، قال ابن عابدين الحنفي: “(قوله خاف الزيادة) أو إبطاء البرء أو فساد عضو بحر أو وجع العين أو جراحة أو صداعا أو غيره، ومثله ما إذا يُمَرِّضُ الْمَرْضَى قُهُسْتَانِيٌ ط، أي بأن يعولهم ويلزم من صومه ضياعهم وهلاكهم لضعفه عن القيام بهم إذا صام“[6].
ويأخذ الطبيب في هذه الحالة حكم من يلزمه إنقاذ المُشرف على الهلاك، فيجب فطره إذا توقف إنقاذه عليه، قال الإمام النووي: “لو رأى مشرفًا على الهلاك بغرقٍ أو غيره، وافتقر في تخليصه إلى الفطر: فله ذلك…قلت: قوله: فله ذلك، فيه تساهل، ومراده: أنه يجب عليه ذلك، وقد صرح به أصحابنا، والله أعلم”[7].
وقال البهوتي الحنبلي: “(ولو وجد آدميًا معصومًا في هلكةٍ كغريقٍ: لزمه مع القدرة إنقاذه) من الهلكة… (وإن حصل له) أي: للمنقذ (بسبب إنقاذه ضعف في نفسه، فأفطر فلا فدية) على المنقذ، ولا على المنقذ (كالمريض)، وإن احتاج في إنقاذه إلى الفطر وجب، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”[8].
والحالة الثانية: أن تكون العملية غير دقيقة ولكن عليه في هذا اليوم عمليات كثيرة يشق معها الصوم غالبا ويخشى من كثرة العمليات الإرهاق الشديد الذي يمنعه من إتمام كل العمليات المحددة سلفا، فله حينئذ الفطر بسبب المشقة، ويأخذ في هذه الحالة حكم ذوي الأعمال الشاقة، فله الفطر والقضاء بعد ذلك، إلا أن ذلك مقيدٌ بضرورة تبييت النية من الليل، وأن يصبح ممسكًا، ثم يشرع في عمله، فإذا رأى من نفسه انخفاضًا في تركيزه، أو مشقة بسبب الصوم تعيقه عن استكمال سائر العمليات جاز له الإفطار، ولا يجوز له أن يبدأ يومه مفطرًا من غير صوم؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور، فإذا تيسر له صيام أول النهار قبل أن تلحقه المشقة، فلا يجوز له الفطر بسبب المشقة التي لم تدركه بعد، وقد فصلنا ذلك في فتوى صوم ذوي الأعمال الشاقة.
والله تعالى وأعلم
[1] [المائدة: 32].
[2] الموافقات (2/ 20).
[3] مغني المحتاج (2/ 168 – 169).
[4] الأشباه والنظائر (ص: 87).
[5] قواعد الأحكام في مصالح الأنام (ص: 60).
[6] رد المحتار على الدر المختار (2/ 422).
[7] روضة الطالبين (2/ 384).
[8] كشاف القناع (2/ 314).


