السؤال:
دفعت رأس مال إلى من يتّجر فيه، واتفقنا على أن يكون الربح بيننا مناصفة، واشترطت على العامل أن يكون ضامنا لرأس المال عند الخسارة، فهل هذا جائز شرعا؟
الجواب
لا يجوز أن يشترط رب المال على العامل ضمان رأس المال عند الخسارة، لأن يدَ المضارب يدُ أمانةٍ، واشتراط الضمان على الأمين باطلٌ؛ لأنه شرط يخالف مقتضى العقد.
واختلف الفقهاء في هذا الشرط هل هو مفسد لعقد المضاربة بالكلية، أم يصح العقد ويبطل الشرط على قوليين للفقهاء، والمختار للفتوى صحة العقد وبطلان الشرط، ويثبت المسمى، فلا يضمن العامل المال عند الخسارة إلا إذا كان منه تقصير أو تعد.
التأصيل الشرعي
هذه المسألة ما هي إلَّا حقيقة المضاربة، ويسمى قراضا أيضا، والتسمية بالمضاربة لغة أهل العراق؛ لأن كلًا من العاقدين يضرب بسهم في الربح، ولأن العامل يحتاج إلى السفر، والسفر يسمى ضرباً في الأرض، قال تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}[1].
وفي لغة أهل الحجاز يسمى قراضا، وهو مشتق من القرض وهو القطع؛ لأن المالك يقطع للعامل قطعة من ماله يتصرف فيها ويعطيه قطعة من الربح، أو مشتق من المقارضة: وهي المساواة لتساويهما في استحقاق الربح، أو لأن المال من المالك والعمل من العامل، وهي لهذا تشبه الإجارة؛ لأن العامل فيها يستحق حصته من الربح جزاء عمله في المال[2].
ولا خلاف في مشروعيتها لحاجة الناس إليها، قال ابن رشد: “ولا خلاف بين المسلمين في جواز القراض، وأنه مما كان في الجاهلية فأقره الإسلام، وأجمعوا على أن صفته أن يعطي الرجلُ الرجلَ المال على أنه يتجر به على جزء معلوم يأخذه العامل من ربح المال، أي جزء كان مما يتفقان عليه ثلثا، أو ربعا، أو نصفا، وأن هذا مستثنى من الإجارة المجهولة، وأن الرخصة في ذلك إنما هي لموضع الرفق بالناس”[3].
والمضاربة الصحيحة يقسم الربح فيها على حسب النسبة المتفق عليها منه، وهذا مجمع عليه، قال ابن المنذر: “وأجمعوا على أن للعامل أن يشترط على رب المال ثلث الربح، أو نصفه أو ما يجتمعان عليه، بعد أن يكون ذلك معلوما جزءا من أجزاء”[4].
ومن شروطِ عقدِ المضاربة والقراض أن تكونَ الخسارة على رب المال، لا على العامل ما دام لم يتعد العامل أو يقصر، فلا يتحمَّل المضاربُ شيئًا من الخسارة لأنه شارك بعمله، فخسارته تكون بذهاب نفع بدنه إذا لم يحدث نماء في رأس المال، لأنه حينئذ يخسر جهده الذي عمله؛ لأنّ رأس ماله عمله، ويكون شريكا لرب المال في الربح إن وجد، قال ابن قدامة: “والوضيعة في المضاربة على المال خاصة، ليس على العامل منها شيء؛ لأن الوضيعة عبارة عن نقصان رأس المال، وهو مختص بملك ربه، لا شيء للعامل فيه، فيكون نقصه من ماله دون غيره؛ وإنما يشتركان فيما يحصل من النماء، فأشبه المساقاة والمزارعة، فإن رب الأرض والشجر يشارك العامل فيما يحدث من الزرع والتمر، وإن تلف الشجر، أو هلك شيء من الأرض بغرق أو غيره، لم يكن على العامل شيء”[5].
وقال السمرقندي: ” وَفِي الْمُضَاربَة الصَّحِيحَة إِن لم يكن ربح فَلَا شَيْء للْمُضَارب لِأَنَّهُ عَامل لنَفسِهِ فَلَا يسْتَحق الْأجر”[6].
وليس على العامل ضمان رأس المال إلا إذا تعدى ففرّط أو قصّر، قال الخطيب الشربيني: “(وَلَا ضَمَان على الْعَامِل) بِتَلف المَال أَو بعضه لِأَنَّهُ أَمِين فَلَا يضمن (إِلَّا بعدوان) مِنْهُ كتفريط أَو سفر فِي بر أَو بَحر بِغَيْر إِذن”[7].
وقال ابن جزي: “الخسران والضياع على رب المَال دون الْعَامِل إِلَّا أَن يكون مِنْهُ تَفْرِيط”[8].
ولا يجوز أن يشترط في العقد خلاف هذا، كأن يشترط على العامل ضمان رأس المال عند الخسارة، لأن يدَ المضارب يدُ أمانةٍ، واشتراط الضمان على الأمين باطلٌ؛ لأنه شرط يخالف مقتضى العقد، قال ابن قدامة: “ومتى شرط على المضارب ضمان المال، أو سهما من الوضيعة، فالشرط باطل، لا نعلم فيه خلافا”[9].
واختلف الفقهاء في هذا الشرط هل هو مفسد لعقد المضاربة بالكلية، أم يصح العقد ويبطل الشرط؟
قال ابن رشد: “إذا شرط رب المال الضمان على العامل، فقال مالك: لا يجوز القراض وهو فاسد، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة، وأصحابه: القراض جائز، والشرط باطل، وعمدة مالك: أن اشتراط الضمان زيادة غرر في القراض نفسه. وأما أبو حنيفة فشبهه بالشرط الفاسد في البيع على رواية أن البيع جائز، والشرط باطل اعتمادا على حديث بريرة”[10].
قال الكاساني من الحنفية: “والوضيعة على رب المال؛ لأن شرط الوضيعة على المضارب شرط فاسد فيبطل الشرط، وتبقى المضاربة”[11].
وقال ابن قدامة: “والعقد صحيح، نص عليه أحمد…وروي عن أحمد أن العقد يفسد به. وحكي ذلك عن الشافعي؛ لأنه شرط فاسد، فأفسد المضاربة، كما لو شرط لأحدهما فضل دراهم. والمذهب الأول”[12].
وعند المالكية والشافعية ورواية عند الإمام أحمد تفسد به المضاربة قال الخرشي: ” ولو شرط عليه الضمان أي ويكون قراضا فاسدا”[13].
وقال الماوردي: “لو شرطا في عقد القراض تحمل العامل للخسران كان القراض باطلا لاشتراطهما خلاف موجبه”[14].
وقد سبقت رواية الإمام أحمد في كلام ابن قدامة.
واختلفوا في الواجب عند فساد المضاربة في هذه الحالة:
فعند الشافعية يفسد القراض، والمال وربحه لرب المال، ويرد العامل إلى أجرة المثل، وأما المالكية فعندهم يرد إلى القراض الصحيح فمؤداه أنه يبطل الشرط قال في العلامة أحمد الدردير: “شرط فيه العامل ضمان رأس المال إن تلف بلا تفريط أو أنه غير مصدق في تلفه فقراض فاسد؛ لأنه ليس من سنة القراض وفيه قراض المثل إن عمل والشرط باطل لا يعمل به”[15].
والقول بصحة العقد وبطلان الشرط كما عليه الأحناف والشافعية هو الأوجه للفتوى، لأنه لم يؤثر في جهالة الربح، ويلغى الشرط المفسد تصحيحا لعقود الناس ما أمكن، وهو أيضا الموافق لحديث بريرة وهو ما رواه الإمام البخاري عن عائشة رضي الله عنها في قصة عتق بريرة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ»، وفي رواية: «مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِى كِتَابِ اللهِ فَلَيْسَ لَهُ وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ».
وأيضا هو “شرط لا يؤثر في جهالة الربح، فلم يفسد به، كما لو شرط لزوم المضاربة، ويفارق شرط الدراهم؛ لأنه إذا فسد الشرط ثبتت حصة كل واحد منهما في الربح مجهولة”[16].
وهو ما قرره مجمع الفقه الإسلامي كما ورد في القرار رقم ٥ من الدورة الرابعة أنه “لا يجوز أن تشتمل نشرة الإصدار أو صكوك المقارضة على نص بضمان عامل المضاربة رأس المال أو ضمان ربح مقطوع أو منسوب إلى رأس المال، فإن وقع النص على ذلك صراحة أو ضمناً بَطَلَ شرط الضمان واستحق المضارب ربح مضاربة المثل”.
ولكنَّ المجمع ردَّه إلى مضاربة المثل كما عند السادة المالكية، وأما الأحناف والحنابلة فهم على بطلان الشرط مع ثبوت المسمى، وهو الأولى قطعا للتنازع.
وعليه فإنه لا يجوز أن يشترط رب المال على العامل ضمان رأس المال عند الخسارة، لأن يدَ المضارب يدُ أمانةٍ، واشتراط الضمان على الأمين باطلٌ؛ لأنه شرط يخالف مقتضى العقد.
واختلف الفقهاء في هذا الشرط هل هو مفسد لعقد المضاربة بالكلية، أم يصح العقد ويبطل الشرط على قوليين للفقهاء، والمختار للفتوى صحة العقد وبطلان الشرط، ويثبت المسمى.
والله تعالى أعلم
[1] [المزمل: 20].
[2] الفقه الإسلامي وأدلته، للزحيلي (5/ 3923).
[3] بداية المجتهد، لابن رشد (4/ 21).
[4] بداية المجتهد، لابن رشد (4/ 21).
[5] المغني، لابن قدامة (14/ 25).
[6] تحفة الفقهاء، للسمرقندي (3/ 25).
[7] الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، للخطيب الشربيني (2/ 343).
[8] القوانين الفقهية، لابن جزي (ص: 186).
[9] المغني، لابن قدامة (5/ 49).
[10] بداية المجتهد، لابن رشد (4/ 22).
[11] بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، للكاساني (6/80).
[12] المغني، لابن قدامة (5/ 49).
[13] شرح مختصر خليل، للخرشي (6/ 210).
[14] الحاوي الكبير، للماوردي (7/ 332)
[15] الشرح الكبير على مختصر خليل، للدردير (3/ 520).
[16] المغني، لابن قدامة (5/ 49).


